Thursday, September 20, 2018 أخر تحديث:
   
 
اطبع أرسل لصديقي
استخدم هذا النموذج لارسال هذا المقال لصديقك
Friend Email
Enter your message
حجم الخط
27 يونيه 2006 - 24 يناير 2011 >
 
 
 
   
    شاركنا على تويتر  
 
 
 
 
  هل يوجد فى مصر من يعرف قيمة التكلفة الحقيقية للمعيشة ؟

دكتور مهندس/ ممدوح حمزة

هل يوجد في مصر حالياً أى جهة رسمية أو أهلية عندها معرفة بقيمة التكلفة الحقيقية لمعيشة الأسرة المصرية بمتطلباتها المختلفة من سلع المأكل والمشرب والملبس وخدمات الإسكان والطاقة والاتصالات ؟.. ولست أقصد من هذا السؤال حصر الأسعار السائدة في أسواق السلع والخدمات..ولست أطالب هنا بوجود جهة تسعير جبري، ولكنني أقصد من مفهوم “التكلفة الحقيقية للمعيشة” حساب التكلفة الفعلية لإنتاج السلع وتوفير الخدمات بغض النظر عن أسعار بيعها فى الأسواق..أي هل يمكن الحكم علي سعر السوق لسلعة معينة بأن هذا السعر يعكس تكلفة إنتاج وهامش ربح؟ أم يعكس..احتكار وجشع؟

هل يدري أحد ما هي تكلفة دقيقة المحمول؟ هل يدري أحد تكلفة المتر المكعب من مياه الري لتؤخذ في الاعتبار عند تصدير السلع الغذائية؟ وما هو تأثير تصدير السلع الغذائية علي تكلفة سلة الغذاء للأسرة المصرية؟.

فمثلاً..لو أن عبوة لتر الزيت تباع بـ10 جنيهات للجمهور فكيف يمكن الحكم على هذا السعر أنه مناسب أو مغالي فيه دون دراسة علمية لتكاليف إنتاج وتعبئة ونقل هذه السلعة حتى تستقر فى يد المستهلك النهائى مضافاً إليها هامش أرباح مناسب ليمكن بعد ذلك الحكم على   تناسب سعر البيع مع قيمة تكلفة الإنتاج، ومن ثم يمكن القول وبناءاً على هذه المقارنة بأن الأسعار السوقية أسعار حقيقية تعكس التكلفة أو أسعار مصطنعة تعكس جشع الصانع أو التاجر وغياب الرقابة..مما يعنى أن هناك حاجة قومية ملحة لوجود حساب دقيق لتكلفة معيشة الأسرة المصرية بكل متطلباتها .

من هذا المنطلق فإننى أوجه الدعوة لإنشاء معهد بحثي مستقل لدراسة تكاليف المعيشة فى مصر يعنى بتحديد جدول المتطلبات الأساسية للأسرة من سلع وخدمات متنوعة ويدرس  (وهو الأهم) القيمة الحقيقية لإنتاج  وتوفير هذه المتطلبات .. ويقوم المعهد بانتظام ومن خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنت بإصدار نشرات وتقاريرعن حسابات التكلفة الفعلية لمتطلبات المعيشة ليطالعها الرأي العام والمسئولون .

ومن المؤكد أنه بناءاً على دراسات هذا المعهد سوف يتمكن صانعو القرار من إصدار قراراتهم بشكل علمى ومدروس فيما يتعلق بسياسات الدعم واتجاهاته ومجالات إنفاقه، وقيمة الضرائب والجمارك المقررة على السلع والخدمات وتقديرها بشكل عادل، وكذلك الأمر بالنسبة للإستثمارات  الجديدة من حيث توجيهها نحو مجالات السلع والخدمات النادرة أو المكلفة والأولى بالرعاية ويحتاجها المواطنون.

كما أنه وعلى ضوء دراسات وأبحاث هذا المعهد المستقل يمكن توجيه حركة الصادرات والواردات وتقييدها بضوابط ظروف سوق السلع والخدمات المحلي ومدى حاجة المجتمع إليها.. فليس من المنطق السماح بتصدير سلع ذات ندرة محلية ومن جهة أخري تخسر الدولة مليارات الدولارات بسبب هذا التصدير العشوائي..على الأقل يمنع أو يقنن تصديرها ويتم شرائها محلياً من المنتجين ولو بأسعار عالمية بالعملة المحلية وتظل الأموال داخل الدولة..كما  يجب إعادة النظر في سياسة تصدير بعض السلع الغذائية والتي تستهلك كميات هائلة من المياه وذلك علي ضوء حساب التكلفة المائية، ومن ذلك ترشيد سياسة تصدير الأرز  الذي يستهلك ري الفدان من محصوله حوالي 8000 متر مكعب من المياه، وبذلك نحفظ السلع الغذائية الضرورية داخل الوطن لغذاء المصريين ونحفظ مياه الري المستخدمة في زراعته في زراعة محاصيل أخري كالقمح .

ولن يقتصر الأمر على إستفادة الجهات الرسمية من دراسات هذا المعهد بل إن ما يقدمه من إحصائيات ومعلومات سوف يساعد وسائل الإعلام والجهات الرقابية ومنظمات المجتمع المدنى والمواطنين فى معرفة سعر التكلفة الحقيقى لأى سلعة أو خدمة، وسوف ينكشف أمام الرأى العام المغالون والمحتكرون من المنتجين والبائعين، ليتم في النهاية ضبط الأسواق تلقائياً بدون أى تدخل من الدولة التى تلتزم بنظام السوق وترتبط باتفاقيات دولية ملزمة ولا تستطيع العودة مجدداً إلى التسعيرة الجبرية وآليات النظام الإقتصادى المركزى.

وعلي ضوء التقارير والأبحاث التى يقدمها هذا المعهد سوف تتحقق بشكل تلقائي تعادلية كبيرة بين الأسعار الحقيقية للسلع والخدمات وبين أسعار تداول أسهم الشركات المنتجة لهذه السلع  في بورصة الأوراق المالية والتى تتأثر بشكل غير موضوعى بأسعار السوق الخادعة(وهو السبب الرئيسي للأزمة المالية التي تعرضت لها منذ عدة سنوات اقتصاديات دول النمور الأسيوية).. مما سينعكس بالإيجاب على حركة بيع وشراء الأسهم التي ستتأثر قيمتها في أسواق المال علي أسس التكلفة الحقيقية لسلعها.

ومن المؤكد أيضاً أنه فى حال وجود هذا المعهد وعلى ضوء معطيات دراساته يمكن الحكم بشكل علمي على معدلات تزايد أو انخفاض النمو الإقتصادى، ويمكن معرفة وضبط معدلات التضخم وتحديد سعر الفائدة، كما يمكن بناءاً على هذه الدراسات الوصول إلى معيار موضوعى لتحديد خط الفقر، وكذلك يمكن التوصل بشكل علمى إلى تحديد الحد الأدنى للأجور والمرتبات وربطها بشكل موضوعى بقيم تكاليف ومتطلبات المعيشة، ليتضح السبب في ازدياد عدد الفقراء في مصر..هل السبب ازدياد التكلفة؟ أم نتيجة زيادة عشوائية في الأسعار؟.

وسوف يضم معهد “أبحاث تكاليف المعيشة” الذى أدعو إلى إنشاءه العشرات من الباحثين فى مجالات حساب التكاليف والدراسات المالية والإجتماعية والقانونية، ويقوم عمله على دراسات تكلفة عوامل ومراحل إنتاج السلع والخدمات وبدائلها الاقتصادية، وتمول ميزانية هذا المعهد من تبرعات البنوك وأكبر 100 شركة مصرية وأجنبية عاملة فى مصر فى مجالات الطاقة ومواد البناء والنقل والاتصالات والأغذية والمشروبات، وإنني وأثق أن هذه الشركات التي تعمل بنزاهة سوف يكون من صالحها معرفة التكلفة الحقيقية للسلع حتى لا تتهم بالجشع، وينبغي أن  يكون العاملون في المعهد ممن يتصفون بالعلمية والموضوعية ولديهم اهتمام بقضايا الحياة  ولا ينتمون لأي حزب أو حكومة أو مجالس شعبية.

إننى لا أقدم هذا الطرح باعتبارى محاسباً أو خبيراً فى الدراسات المالية..ولكنى أدعو لذلك من واقع خبرتى العلمية والمهنية فى مجالات الإستشارات الهندسية التي تشمل تكاليف الإنشاءات، حيث أن السعر النهائي لأي منشأ أو مشروع هندسى لا يمكن تحديده أو الحكم باقتصادياته دون دراسة تكاليف عشرات المراحل الهندسية لهذا المنشأ أو المشروع الهندسى.

وهذا المعهد الذى أدعو لإنشائه ليس بأمر مستحدث، ففى إنجلترا يوجد عدة جهات علمية معنية بدراسة المتطلبات الأساسية للأسرة الإنجليزية وحساب تكلفة هذه المتطلبات وتقوم بنشر قوائم أسبوعية بأصناف وأسعار هذه المتطلبات متضمنة البروتينات والبقوليات ومنتجات الألبان والمخبوزات والزيوت والفواكه والخضراوات فيما يعرف بنظام سلال الغذاء ( Food basket  )..وعلى المستوى الرسمي توجد إدارتان بحثيتان فى هذا الصدد إحداهما تابعة للبنك المركزى البريطانى تقدم تقارير دورية لتكاليف المعيشة في مقاطعات بريطانيا متضمناً ذلك تكلفة المأكل والمشرب والملبس والخدمات المختلفة، والأخرى تابعة لهيئة الأغذية البريطانية وتقدم بدورها قوائم الأغذية والمشروبات الآمنة صحياً والأفضل اقتصادياً وتناسب دخول الأسرة في بريطانيا..ويعتد بدراسات هذه الجهات في وضع الحد الأدنى للأجور والمرتبات والتحكم في سعر الفائدة وضبط معدلات التضخم.

وفى الولايات المتحدة الأمريكية هناك العشرات من المعاهد البحثية المعنية بدراسة تكاليف المعيشة وبحوث السوق، كما يضم البنك المركزى الأمريكى إدارة كبيرة لدراسة تكاليف المعيشة وعلاقتها بمعدلات الأسعار المحلية والعالمية ومعدلات التضخم وربط كل ذلك بالحد الأدنى للأجور وأسعار الفائدة المقررة، كما يضم مصرف “يو إس” الأمريكي إدارة بحثية لمقارنة الأسعار السائدة للسلع والخدمات مع التكلفة الحقيقية لإنتاجها.

وفى دول الخليج مع صغر حجمها هناك العديد من المؤسسات الإعلامية والإقتصادية التى تقدم بشكل دورى بحوث حول تكاليف المعيشة وعلاقتها بالأسعار السوق، من ذلك موقع  “أربيان بيزنس دوت كوم” وموقع “بيت دوت كوم” الذى أجرى مؤخراً دراسة بحثية (معنية بدول الخليج) بالتعاون مع مؤسسة “يوجوف سيراج” الإنجليزية المتخصصة فى أبحاث تكاليف المعيشة .. وتعتمد الجهات الرسمية فى دول الخليج بشكل كبير على الأبحاث والتقارير الصادرة عن هذه الجهات في تحديد زيادات الأجور والمرتبات فى دول الخليج.

إن غياب المعيار الحقيقى لحسابات تكاليف المعيشة فى مصر أدى إلى حساب خاطئ للحد الأدنى للأجور والمرتبات وقيم الدعم ومجالات إنفاقه .. فليس من المنطقى على سبيل المثال أن نؤكد على أن أسعار السلع والخدمات فى مصر مرتبطة بالأسعار العالمية فى ذات الوقت الذى لا يحصل فيه المواطن المصرى على دخل يوازي نسب الدخول العالمية .. وخير دليل على المفارقة المفجعة في خلل العلاقة بين الأسعار السائدة وبين تكاليف إنتاج السلع والخدمات هو أسعار الأسمنت..فليس من المنطقي أن تبيع الدولة أكثر من 80% من أسهم مصانع الأسمنت المحلية لشركات أجنبية (بملاليم) فى الوقت الذى تقدم الدولة لهذه الشركات الطاقة اللازمة لتشغيلها بأسعار مدعمة وتعطيهم الدولة الخامات بأسعار هزيلة بل يحصل العاملون بهذه المصانع على مرتبات ضئيلة .. وبالرغم من كل هذه التسهيلات تقترب فيه أسعار بيع طن الأسمنت محلياً من المعدلات العالمية،علماً بأن الخامات والطاقة اللازمين لإنتاج الأسمنت هما ملك للشعب المصري، وعليه يمكن اعتبار المصنع مكلف فقط بالتشغيل لحساب المالك الحقيقي وهو الشعب المصري الذي له الحق في دراسة ومناقشة (بل وتحديد) سعر البيع .

وليس من المنطقي أيضاً أن تقوم الشركات الأجنبية العاملة فى مجال محطات الكهرباء فى مصر ببيع الكهرباء للحكومة المصرية بالأسعار العالمية فى ذات الوقت الذى تحصل فيه هذه الشركات على طاقة التشغيل بأسعار محلية مدعمة وتدفع مرتبات العمالة المصرية بها بالعملة المحلية مع اختلاف جذرى بمقارنتها بالمرتبات والأجور العالمية.. وإجمالاً فإنه ليس من المنطقى أن تباع السلع والخدمات للمصريين بأسعار عالمية فى ذات الوقت الذى يحصلون فيه على دخول لا تقارن بأى حال بالنسب العالمية فى هذا الصدد.

أما بالنسبة للحديد فما زال لغزاً محيراً..وحل هذا اللغز يكمن في مصنع الحديد والصلب بحلوان الذي يمتلكه الشعب المصري، والعاملون به مصريون يتقاضون مرتبات متواضعة مقارنة بالشركات الخاصة العاملة في إنتاج الحديد بمصر، ويستخدم خامات محلية من تراب مصر منذ بداية تشغيله ويتمتتع بمزايا كثيرة لاتتوفر لجميع مصانع الحديد في مصر ومع ذلك مازال إنتاجه متواضع جداً.

وهناك قضية في غاية الأهمية تتأثر بشكل كبير بخلل العلاقة بين الأسعار السائدة وحسابات التكلفة وهى قضية الدعم .. فالدولة وعلى مدار عقود طويلة قامت بتخصيص ميزانية ضخمة من موازنتها العامة لدعم السلع والخدمات الضرورية للمواطنين ولكن فى ظل غياب معيار حقيقى لحساب تكاليف هذه السلع والخدمات فإن نسبة كبيرة من هذا الدعم تذهب إلى جيوب المحتكرين من أصحاب الشركات والتجار الجشعين ليزداد الأثرياء ثراءً ويزداد الفقراء فقراً على حساب دعم الدولة .

إن لوغاريتمات قضية إرتفاع تكاليف المعيشة وعدم وجود معيار حقيقى لحسابها أدى إلى ظهور العديد من التداعيات الإجتماعية البالغة الخطورة التى تمس بشكل مباشر السلم والأمن الإجتماعى..فما من يوم يمر إلا وتسجل أجندة الحياة اليومية فى مصر حوادث قتل ومشاجرات فى طوابير الخبز أو البوتاجاز أو السلع التموينية وتكثر المشاحنات بين الباعة والمواطنين، إضافة إلى ما تسجله محاضر الشرطة من حوادث إنتحار مئات المواطنين سنوياً، وكان غلاء الأسعار والفشل فى الحصول على أدنى مقومات الحياة الإنسانية اليومية يمثل أكثر من 87% من أسباب هذه الحوادث، كما تزايدت مؤخراً الإعتصامات والمظاهرات والإضرابات من العمال والموظفين فى شركات ومؤسسات حكومية وأهلية مطالبين بتعديل أجورهم لتتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة الذى لا يعرف أحد معياراً حقيقياً لحسابه.

والذين يتصورون أن هذه التداعيات يمكن معالجتها بتوفير بعض الدعم أو محاولات ضبط الأسواق أو تخفيض الضرائب والجمارك مخطئون تماماً.. فملايين الأفواه والأقلام والصفحات والشاشات تؤكد يومياً على أن هناك غلاءً فاحشاً فى أسعار السلع والخدمات..ولكن هؤلاء يحكمون على الأعراض دون اقتراب من أصل العلة وأسبابها ودون الوصول إلى تشخيص أصل الداء،والحل الجذري للوغارتم الأسعار لن ايتحقق إلا بمعرفة حقيقتها ومكوناتها.

وأخيراً أود التأكيد على أن مبادرتى بالدعوة إلى إنشاء معهد بحثي مستقل ومتخصص ليس وليد اليوم فهو أمر طالبت به منذ سنوات .. وكنت قد كتبت مقالة عن” الحكومة العلمية والمعاهد البحثية” بمناسبة تولي وزارة الدكتور نظيف مهام الحكومة، ولكن صادرتها شرطة إسكوتلاند عند توقيفي  في يوليو 2004 وقامت بترجمتها واعتبرتها أحد أحراز القضية وتم مناقشة أجزاء منها في المحكمة في يونيو 2006..فالمعاهد البحثية المستقلة المتخصصة التي لا تتبع حزباً أو حكومة أو مجالس شعبية تعد من أهم ضوابط وآليات صنع القرار ورسم السياسات وحلول المشكلات القومية على أسس علمية، فهل تشرع الدولة في اتخاذ التدابير اللازمة من سن التشريعات وتشجيع التمويل المستقل الغير ملزم ؟ وهل يتحمس مجموعة من المتخصصين لإنشاء هذا المعهد البحثي المتخصص في حسابات تكاليف معيشة الأسرة المصرية؟..سؤالان ينتظران الإجابة.

نشرت بجريدة الفجر بتاريخ 31/3/2008 ص 6

 
 
 
 
           
  الرئيسية | مشروع التغير | مراحل المواجهة | مشروعات تنموية | قالوا عن حمزة | صوت وصورة | المجلس الوطني المصري | المكتب الهندسي