Thursday, September 20, 2018 أخر تحديث:
   
 
اطبع أرسل لصديقي
استخدم هذا النموذج لارسال هذا المقال لصديقك
Friend Email
Enter your message
حجم الخط
27 يونيه 2006 - 24 يناير 2011 >
 
 
 
   
    شاركنا على تويتر  
 
 
 
 
  التكلفة المائية أساس استراتيجيات الحكومة وسلوكيات الشعب

التكلفة المائية أساس استراتيجيات الحكومة وسلوكيات الشعب

د.م/ ممدوح حمزة

لايوجد مورد أنفع للبشرية وأحفظ لوجودها مثل الماء العذب، وكل مورد دونه بدائل إلا الماء، فمنه نشأت الحياة وبه قامت الحضارة، وهو مورد لازم لذاته لايستعاض عنه بغيره كالبترول والفحم والغاز الطبيعى، وهو أصل الحياة ومعين بقائها .

والماء العذب مورد شحيح بطئ التجدد يمثل 3% من مجمل مياه الأرض- ظاهرها وباطنها- ونسبة الجليد منه 77.6%، والمياه الجوفية 22% تقريباً، والكمية الباقية لا تتجاوز 1% عليها يحيا 6.7 مليار نسمة معيشة وزراعة وصناعة ويتحصل عليها فى مناطق كثيرة من العالم بكلفة وعناء، ويتهدد نسبة 30% منها مخاطر التلوث، ويتهددها كذلك الإستهلاك العشوائى الجائر، وتنامى مناطق التصحر والجفاف فى العالم.

وتتجلى أثار الأزمة بوضوح فى الوطن العربى، فحصته أقل من1% من المياه العذبة فى العالم، وإجمالي الأمطار الساقطة على أراضيه حوالى 2% من مجمل مياه الأمطار.. وتؤكد دراسات “منظمة الأغذية والزراعة” أن هناك 19 دولة عربية واقعة تحت خط الفقر المائي، منها 14 دولة تعاني خطراً حقيقياً في نقص المياه العذبة حاضراً ومستقبلاً .

وبحلول عام 2015 سوف تقل حصة المواطن العربى من المياه العذبة سنوياً عن 800 متر مكعب.. وحسب تقديرات منظمة “الفاو” سترتفع الإحتياجات المائية العربية من 205 مليار متر مكعب حالياً إلى 400 مليار متر مكعب ‏بحلول عام 2025، وسيصل عدد السكان إلى 500 مليون نسمة بنهاية نصف القرن الحالى.

وتقع مصر ضمن مجموعة الدول الـ 14 الأشد فقراً فى الموارد المائية، فنصيب الفرد فى مصر حالياً لايتجاوز 750 مترمكعب سنوياً وهو مايوضحه(شكل رقم 1)..علماً بأن خط الفقر المائي  1000متر مكعب سنوياً.

ونظراً لأن الزراعة تستهلك حوالى 80% من مواردنا المائية العذبة فإن اتخاذ “التكلفة المائية” معياراً لترسيخ الإستراتيجيات الزراعية الرشيدة يستلزم معرفة المحاصيل الأكثر كلفة مائية مثل الأرز وقصب السكر والموز والبرسيم والتقليل من زراعتها، وأيضاً تقليل تربية الحيوانات ذات التكلفة المائية المرتفعة، مع الوضع فى الإعتبار أن زراعة الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب كالذرة والقمح والفول والشعير أقل تكلفة مائية كما يوضح (شكل رقم 2).

وبالنظر إلى حجم التكلفة المائية للأنماط الغذائية السائدة فى العالم(شكل رقم 3)..يتبين أن النمط الغذائى الأمريكى الذى تدخل فيه اللحوم الحمراء بكثافة تكلفته المائية أكثر من 5500 لتر يومياً، وتنخفض هذه التكلفة كلما تراجعت نسبة اللحوم الحمراء، فالنمط الغذائى النباتى لاتتجاوز تكلفته المائية 2500 لتراً وهو الأقرب إلى النمط الغذائى الهندى الذى يتفوق فى خصائصه الصحية عن النظم الغذائية الأخرى.

فلاشك إذاً أن هناك توافق هارمونى بين الأغذية الموفرة للمياه والأغذية المناسبة للصحة..فليس مصادفة أن تكون البدائل الغذائية النباتية أفضل من نظائرها الحيوانية فى مناسبة كمية السعرات الحرارية وتلاشى نسبة الدهون المشبعة والكولسترول المسببان لأمراض الأوعية الدموية التى تعد أساس أمراض القلب والمخ، بالإضافة إلى قلة تكلفتها المائية مما يتوجها كأغذية مثالية فائقة الفائدة للصحة والبيئة والإقتصاد.

ويتضح من (شكل رقم 4) أن التكلفة المائية للسعرات الحرارية فى الأغذية ذات الأصل الحيوانى مرتفعة جداً خاصة فى اللحوم الحمراء مقارنة ببدائلها النباتية.. فإنتاج سعر حرارى من لحوم الأبقار يستهلك حوالى 6.25 لتراً من المياه، فى حين يستهلك إنتاج سعر حرارى من حبوب الفول أقل من 0.25 لتراً من المياه .. وتقل كمية المياه اللازمة لإنتاج السعرات الحرارية من فول الصويا والقمح والمكسرات والبطاطس عن مثيلتها الحيوانية .

وجدير بالذكر أن الأغذية التى أساسها حيوانى تتسبب أكثر من أى مجال آخر فى زيادة ظاهرة الإحتباس الحرارى..فالثروة الحيوانية التى يربيها الإنسان علاوة على تكلفتها المائية الفائقة فإنها الأخطر صحياً بالنسبة له والأشد تلويثاً للبيئة، ولا مبالغة فى القول بتهديدها لوجوده .

إن عرض البيانات السابقة يمثل نموذجاً مصغراً للبيانات والمعلومات الضخمة الموجودة فى المراجع العلمية والأبحاث الإقتصادية المعنية ببحوث التكلفة المائية – لما نأكل ونشرب ونلبس ونزرع ونصنع ونصدر ونستورد – والتى ينبغى أن تكون المرجعية الرئيسية للحكومة لوضع استراتيجية قومية للتوجيه الأمثل فى استخدام المياه العذبة المتاحة لنا، وتكون كذلك إطاراً جوهرياً للمجتمع لتغيير السلوكيات والثقافات الإستهلاكية بين المواطنين .

ففى مجال الصناعة: يجب عدم السماح بإقامة صناعات ذات تكلفة مائية مرتفعة إلا فى حالات الضرورة والتركيز على الصناعات البديلة ذات التكلفة المائية المنخفضة.. فصناعة الملابس والمنسوجات على سبيل المثال تنخفض تكلفتها المائية كلما اعتمدت هذه الصناعة على خامات نباتية كالقطن والكتان والحرير والمنسوجات البتروكيماوية، وترتفع التكلفة كثيراً كلما كانت المنسوجات والملابس والإكسسوارت حيوانية المصدر كالجلود والأصواف والأوبار.

وبمقارنة أكثر تفصيلاً من خلال الشكل البيانى الخاص بالتكلفة المائية لصناعة الملابس والمنسوجات (شكل رقم 5).. يتبين أن إنتاج قطعة من الجينز وزنها 1 كيلو جرام يستهلك 10000 لتر من المياه، بما لا يقارن بكمية المياه اللازمة لإنتاج 1 كجم من الملابس أو الشنط أو الأحذية المصنوعة من الجلود الحيوانية التى تستهلك حوالى 17000 لتراً من المياه، وبما لايقارن أيضاً بالأصواف التى يستهلك إنتاج الكيلوجرام منها حوالى 170 ألف لتر من المياه CSIRO) Commonwealth Scientific Industrial) .

ولابد فى هذا الصدد من مراجعة طلبات المستثمرين الأجانب لإقامة صناعات فى مصر ليست فقط ملوثة للبيئة وإنما مستنفذة لمواردنا الطبيعية وللمياه العذبة بوجه خاص، ولذا ينبغى أن تضع وزارات الصناعة والإستثمار “قائمة سوداء” بالصناعات والمشروعات ذات التكلفة المائية المرتفعة، تماماً مثل “القائمة السوداء” التى تضعها وزارة البيئة للصناعات الملوثة للبيئة.

وفى مجال الإستيراد والتصدير: ينبغى منع تصدير المنتجات الزراعية أو الصناعية ذات التكلفة المائية المرتفعة والسماح فقط بتصدير منتجات ذات تكلفة مائية قليلة، والعكس فى مجال الإستيراد بحيث يتم استيراد المنتجات ذات التكلفة المائية المرتفعة التى تتطلبها الأسواق المحلية بدلاً من زراعتها وتحمل تكلفة اقتصادية مائية تفوق تكلفة استيرادها.

ففى مجال الزراعة: لابد من قيام وزارة الزراعة بتقنين مجالات الإنتاج الزراعى وفقاً للتكلفة المائية، فالثروة الحيوانية -على سبيل المثال- يتطلب إنتاجها قدراً كبيراً من المياه وتعد من أكبر الأسباب التى أدت إلى تفاقم الأزمة المائية لارتباطها بدورات زراعية وتركيب محصولى مرتفع التكلفة المائية مثل الأعلاف الحيوانية والتى تؤثر – حسب تقارير الأمم المتحدة –  على المساحات المزروعة بالقمح والفول وغيرهما من المحاصيل الإستراتيجية البروتينية اللازمة لطعام الإنسان، ولاشك أن تصدير البرسيم المصرى لبعض الدول العربية يمثل إهداراً وتهريباً لثرواتنا المائية تماماً مثل جريمة تهريب العملات الصعبة .

هذا التأثير السلبى للإنتاج الحيوانى على الموارد المائية وعلى تقليص مساحات المحاصيل البروتينية يفرض على متخذ القرار مسؤولية اقتصادية كبيرة .. فمثلاً إما أن ينتج كيلوجرام من اللحوم الحمراء بتكلفة مائية حوالى 17000 لتر، أو ينتج حوالى8 كيلوجرامات من الفول بنفس التكلفة المائية .

وفى هذا الصدد يمكن توفير متطلبات السوق المصرى من البروتينات الحيوانية باستيراد الماشية من دول الحوض التى تتوفر فيها المراعى الشاسعة بفضل مياه الأمطار، كما يمكن توفيراللحوم والجلود ومشتقات الألبان لدول الحوض كافة من خلال التعاون بين دول الحوض، بحيث تشارك مصر بتقديم خبراتها العلمية فى هذا التعاون الذى سيحول دون تدخلات أجنبية مغرضة وسيحفظ المياه لأجل دول الحوض، وسيضبط التكلفة المائية فى اقتصاديات هذه الدول.

وفى مجال الزراعة أيضاً لابد من تقنين الزراعات الأكثر استهلاكاً للمياه كقصب السكر والإستعاضه عنه بمحصول البنجر، وكذلك مراجعة سياسات زراعة الأرز فى مصر -خاصة بعد رفع الحظر عن تصديره- فإنتاج كيلو جرام من الأرز يستهلك حوالى 3800 لتراً من المياه، وقياساً بتكلفة تحلية مياه البحر(5ج / م3) فإن رى كيلوجرام أرز يساوى 18 جنيهاً تقريباً لتصل التكلفة الإجمالية لسعره إلى حوالى 20جنيهاً بعد إضافة مصروفات الزراعة والتصدير، وهو رقم يفوق أضعاف سعر تصديره إلى الخارج، وقد أحجمت كثير من الدول عن تصديره أو زراعته، ومنها انجلترا التى فضلت استيراده صيانة لمواردها المائية .

والشكل البيانى المرفق (شكل رقم 6) يوضح أن هناك العديد من الدول مثل أستراليا واليابان والصين التى تقل فيها التكلفة المائية لزراعة الأرز عن 2000 لتر للكيلوجرام.. ولاشك أن الاستعانة بتكنولوجيا هذه البلدان سيحقق خفضاً مناسباً فى التكلفه المائية لزراعة الأرز فى مصر بنسبة قد تصل إلى حوالى 50% من التكلفة المائية الحالية.

وفى مجال الصحة والتغذية: لابد أن تعتمد وتروج وزارة الصحة ومعهد بحوث التغذية أنماطاً غذائية ذات محتوى نباتي عالى عوضاً عن جزء كبير من الأغذية الحيوانية ذات التكلفة المائية المرتفعة والأكثر ضرراً للصحة العامة والبيئة، على أن يتم التسويق لهذه البدائل النباتية لجميع جميع شرائح المجتمع..فالدراسات العلمية تؤكد أن البروتينات التى تشيع فى أطعمة البسطاء كالفول والعدس وفول الصويا والقمح والبطاطس أفضل فى اكتفاء السعرات الحرارية والتكلفة المائية مقارنة بالمنتجات الحيوانية..ولايفهم من هذه الدعوة أن تكون أطعمتنا نباتية صرفة مثل الهند، فهذا أمر يصعب على المصريين، ولكن أدعو إلى تقنين استهلاك البروتينات الحيوانية لتحقيق الفائدة الصحية والاقتصادية معاً، وأن يتم استيراد الشق الأكبر منها بدلاً من تكبد تكلفتها المائية المرتفعة مع تعظيم استهلاك الأسماك لأنها مستخدمة للمياه وليست مستهلكة لها.

وفى مجال السكان: لابد من تحديد السقف الذى لا يجب أن يتجاوزه عدد السكان فى مصر قياساً بالموارد المائية المتاحة ووضع سياسات وآليات حاسمه لضبط سقف التعداد ومنع تجاوزه، بحيث يصبح نصيب الفرد من المياه فى مصر هو الاساس في تحديد تعداد مصر، وينبغى أيضاً فرض رسوم عالية على استخدامات المياه الخاصة مثل حمامات السباحة والجولف لتوفير موارد مالية توجه لمشروعات تحلية المياه.

أما على مستوى تغيير السلوكيات والثقافات: لابد من توطين ثقافة وسلوك الندرة ونبذ سلوك الوفرة لدى المواطنين واتباع طرق جديدة وجذابة لبث المعلومات والبيانات المتعلقة بالتكلفة المائية لحياتنا ومعيشتنا..فاستخدام الرسائل الإلكترونية عبر الهواتف المحمولة والبريد الإلكترونى بجانب الوسائل التقليدية سيكون له أثر كبير فى تغيير سلوكيات المواطنين، وسيكون مناسباً أن تطبع التكلفة المائية للسلع على أغلفة العبوات والنشرات المرفقة .

ولا يغفل الدور الهام لوسائل الإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية والأسرة ومؤسسات المجتمع المدنى فى توطين سلوكيات معيشية اقتصادية واعية .. فاتباع طرق التنظيف الجاف وتقنين عملية النظافة البدنية والتخليى عن سلوكيات هدر المياه بشكل عشوائى فى شوارعنا ومنازلنا سيحقق مردوداً إيجابياً فى استهلاك المياه العذبة، وأيضاً بتطبيق الأفراد لسلوك وثقافة الندرة يمكن ضبط الاستهلاك الفردى من المياه، فمثلاً حلاقة الذقن وغسل الأسنان بشكل اقتصادى يمكن أن يوفرا حوالي 5 لترات من المياه في كل صباح لكل فرد، وتقل الكلفة المائية كذلك عندما نقوم بتركيب صنبور اقتصادى يقلل من تدفق المياه .

إن ضبط التكلفة المائية مرتبط بقرارات المواطن الشرائية والسلوكية، فحوالى 1625 مليار متر مكعب من المياه تستهلك سنوياً لإنتاج السلع والبضائع الزراعية والصناعية التى تتدفق استيراداً وتصديراً عبر القارات بمايوازى 65% من كمية المياه العذبة فى العالم، وحراك الحياة وديناميكيتها إنما وقوده الرئيسى الماء العذب.. مما يستوجب معه حصول المستهلك على المعلومات الدقيقة بشأن التكلفة المائية للحياة ليتمكن من اتخاذ القرار الاقتصادى والتصرف السلوكى السليم..ولابد أن يعى أن الندرة الشديدة فى المياه العذبة ستشعل خلال عقود قليلة صراعات ومنازعات شرسة لم تشهدها البشرية من قبل، وسيغدو الماء السلعة الأغلى والأهم استراتيجياً فى حسابات السياسة الدولية.

ويزيد من المخاطر التى تهدد موارد مصر المائية أن عقد الأمن المائى المصرى فى منطقة حوض النيل على وشك الإنفراط ليس فقط بسبب السدود الجديدة فى أثيوبيا وأوغندا ولكن أيضاً أكثر خطراً بسبب دخول بلاد أجنبية لشراء مساحات هائلة من أراضى واقعة داخل الحوض يتم زراعتها ليس لصالح دول الحوض وإنما لصالح البلاد المستثمرة، مما يعنى تصدير أو تهريب مياه حوض النيل فى صورة محاصيل زراعية لدول خارج الحوض، مما يضر ضرراً بالغاً بحصة مصر المائية، إضافة إلى تفجر اعتراضات جادة على الاتفاقيات المائية التاريخية بين مصر ودول الحوض .

إن وجود منابع النيل خارج مصر وانفلات التزايد السكانى وعشوائية سلوك المجتمع فى استهلاك المياه .. كل ذلك يستلزم وضع الاستراتيجيات القومية اللازمة لتحديد الاستخدام الأمثل لمواردنا المائية المتاحة واتخاذ ذلك كأساس لخطط التنمية وسلوكيات الشعب فى جميع المجالات، وكذا لتحديد الحد الأقصى لتعداد مصر.

 
 
 
 
           
  الرئيسية | مشروع التغير | مراحل المواجهة | مشروعات تنموية | قالوا عن حمزة | صوت وصورة | المجلس الوطني المصري | المكتب الهندسي