Tuesday, May 2, 2017 أخر تحديث:
   
 
اطبع أرسل لصديقي
استخدم هذا النموذج لارسال هذا المقال لصديقك
Friend Email
Enter your message
حجم الخط
2000 - يونية 2004 >
 
 
 
   
    شاركنا على تويتر  
 
 
 
 
  تصحيح مسار الخصخصة فى مشروعات حق الانتفاع (BOOT ) لتوليد الكهرباء (4)

من المؤكد أن توقف الحكومة عن الاستمرار في استراتيجية بناء مشروعات توليد الكهرباء بنظام حق الانتفاع   (  BOOT ) لم يأت من فراغ، وإنما جاء هذا التراجع كنتيجة لاتفاق ضمني بين العديد من السياسيين والفنيين والاقتصاديين وخبراء الطاقة وكبار المفكرين والصحفيين حول الأخطاء القانونية والاقتصادية والفنية الفادحة التي وقعت فيها هيئة كهرباء مصر عندما تعاقدت مع هيئة كهرباء فرنسا  (E.D.F) لبناء وتشغيل محطتي كهرباء شرق بورسعيد وشمال غرب خليج السويس.

فلم يكن من المقبول أو المنطقي أن تقوم الحكومة في مصر تحت شعار الخصخصة برفع يدها عن حق بناء وتشغيل مشروعات توليد الكهرباء لتعطي هذا الحق باليد الأخري لهيئة كهرباء فرنسا الجهة الحكومية الأجنبية الممثلة لحكومة فرنسا لتتولى بناء وتملك وتشغيل المحطتين لمدة 20 سنة قادمة بما لا يتفق مع مبادئ وقوانين الخصخصة والاستثمار في مصر وبما لا يتفق مع قوانين هيئة كهرباء مصر ذاتها والتي تم خصخصتها وتحويلها إلي شركة قابضة تخلع يدها من هذا الدور القومي لتتولي تنظيم التعاقد فقط مع القطاعات الخاصة والاستثمارية الأجنبية والمحلية لبناء وإدارة هذه المشروعات .. فهل قمنا بخصخصة هيئة كهرباء مصر هذا الكيان الحكومي العريق لنسلب منه حقوقه وواجباته القومية لنمنحها لهيئة كهرباء فرنسا وهي جهة حكومية لا تنطبق عليها قوانين القطاع الخاص ؟؟! .

وإذا كانت المصلحة الوطنية قد اقتضت التوقف عن استراتيجية بناء محطات توليد الكهرباء بنظام حق الانتفاع ( BOOT ) في بداياته خاصة بعد توجيهات الرئيس مبارك بشأن هذه القضية ومطالبته بالتأني في عقد اتفاقيات حق الانتفاع والتأكيد علي مراجعة خريطة المشروعات المطروحة للتعاقد بهذا النظام في المستقبل فإن المنطق ذاته يستدعي السير في الطريق الصحيح ورفض التعايش مع هذا الخطأ الفادح لأكثر من 20 سنة قادمة خلال مدة حق الانتفاع والمبادرة ببدء التفاوض لنهو التعاقدات التي تمت مع هيئة كهرباء فرنسا (E.D.F) لعشرات الأسباب الجوهرية المتعلقة بالأمن القومي والاقتصاد الوطني وفرص التنمية الذاتية .

وأول هذه الأسباب أن هذه التعاقدات قد مكنت هيئة كهرباء فرنسا وهي جهة أجنبية حكومية من السيطرة علي مشروعات إستراتيجية في مصر لا ينبغي لدولة أجنبية أو إحدى الهيئات الممثلة لها أن تتملكها أو تديرها بما يخالف متطلبات حماية الأمن القومي وبما يخالف قوانين الخصخصة والاستثمار في مصر بالإضافة لما اتسمت به هذه التعاقدات من غبن وجور على حقوق مصر لكونها علاقة  تجارية غير سوية قانونيا واقتصادياً وفنياً تلزم مصر بدفع أكثر من 4 مليار دولار لهيئة كهرباء فرنسا خلال مدة حق الانتفاع في ذات الوقت الذي لا تتجاوز فيه تكلفة إنشاء المحطتين أكثر من 650  مليون دولار بما لا يتجاوز 15%من دخل المحطتين الذي تحصل عليه هيئة كهرباء فرنسا من مصر بالدولار الأمريكي خلال مدة حق الانتفاع.

وما يدعو إلي التعجب في هذا الأمر أن تكلفة إنشاء المحطات التي تعاقدت معنا هيئة كهرباء فرنسا لإنشائها وتشغيلها وتملكها لم تكن استثمارات أجنبية جلبتها هيئة كهرباء     فرنسا من الخارج ولكنها أموال اقترضتها من البنوك المصرية والأجنبية بعدما قدمت إلي هذه البنوك ضمانات الحكومة المصرية بالتزامها بشراء الكهرباء من المحطتين بقيمة تتجاوز 220 مليون دولار سنوياً بما يعني أن البنك المركزي المصري هو الضامن الشرعي لسداد هيئة كهرباء فرنسا لهذه القروض .

ولم يقتصر الأمر علي مخالفة هذه التعاقدات للمبادئ القانونية والاقتصادية بل يعيبها أيضاً العديد من النواحي الفنية ومن ذلك خلو التعاقدات من أي شروط تلزم هيئة كهرباء فرنسا بتطوير تكنولوجيا هذه المحطات بما يتماشى مع التطور التقني العالمي في هذا المجال وبما يعني أن مصر سوف تتسلم هذه المحطات عند نهاية مدة حق الانتفاع (شبه خردة ) بفارق مستويات تقنية تتجاوز 20 عاماً .

إن هذه التعاقدات اللامعقولة تخلو تماماً من أي منفعة يمكن أن تجنيها مصر في الحاضر أو المستقبل بل علي العكس من ذلك فقد اتسمت هذه التعاقدات بالعديد من الأضرار المادية والفنية والإدارية .. ولاغرابة في ذلك فالذي وضع شروطها ودراسة الجدوى الاقتصادية الخاصة بها مكتب استشاري أجنبي انفرد بالعمل دون مشاركة أي مكتب استشاري مصري متخصص مخالفاً بذلك لوائح نقابة المهندسين المصرية .

لم يلتفت هذا المكتب الأجنبي إلي أدني مصلحة لمصر في هذه التعاقدات ولكنه كرس كل فوائدها لصالح هيئة كهرباء فرنسا التي تحصل بموجب هذه التعاقدات علي ناتج بيع كهرباء هذه المحطات لمصر بالعملة الصعبة وتدفع مرتبات العمالة وأسعار وقود تشغيل هذه المحطات بالجنيه المصري ..والأغرب من ذلك أن تقوم هيئة كهرباء فرنسا باستيراد مكونات ومعدات لإنشاء وتشغيل هذه المحطات من الخارج بالرغم من أن أكثر من 65% من هذه المكونات يتم تصنيعه في مصر .. أي أننا نغلق مصانعنا بأيدينا ثم نشكو بعد كل هذه الأخطاء من مشكلات البطالة والركود الاقتصادي !

ومن المؤكد أن الآثار التي يمكن أن تترتب علي نهو مصر لهذه التعاقدات الظالمة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتساوى مع الأضرار والمحاذير الناجمة عن المضي قدماً في هذه التعاقدات التي تمس سلامة الاقتصاد الوطني والأمن القومي وتحول دون اكتمال السيادة الوطنية علي مشروعات استراتيجية تمثل عصب الاقتصاد وتغذي ديناميكية التنمية الصناعية والزراعية والاجتماعية وتغذي كذلك حركة المجتمع اليومية، فالطاقة بشكل عام هي ترياق الحياة الدائم  لميكانيزم المجتمعات ولامناص عن وضع مشروعاتها القومية تحت الإشراف والتشغيل الوطني المباشر بالاعتماد علي الخبراء والمهندسين والعمال المصريين لدعم الخبرة الوطنية اللازم تنميتها داخلياً حتى يمكن تصديرها والتي لم يكن لها أن تنجح في بناء مشروعات الطاقة في الدول العربية وآخرها مشروعات إعادة إعمار محطات الكهرباء التي دمرت في لبنان إلا إذا كانت هذه الخبرات قد نجحت بتفوق في إنشاء وتشغيل مشروعات الكهرباء بمصر .

ولسنا البلد الوحيد في العالم الذي يتراجع عن مجرد تعاقد تجاري يضر بمصلحته العليا ويئد خبراته وقدراته ويعزلها عن مشروعاتها القومية، وهذا الأمر ليس ببدعة فهناك العشرات من قضايا نهو العلاقات التجارية والمالية التي تحدث يومياً في العالم ومن ذلك تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن بنود ومبادئ اتفاقية تحرير التجارة العالمية وهي الأب الروحي لها لتقوم بزيادة قيمة الجمارك المقررة علي ورادات حديد التسليح القادمة إليها من أوربا، وما من شك أن هناك بنود ومواد فى التعاقدات التي تمت مع هئية كهرباء فرنسا يمكن أن تعطي لمصر الحق في المطالبة بنهو التعاقد بالاتفاق، خاصة إذا أثبتت مصر ما يهدد اقتصادها من جراء هذه التعاقدات وطالبت بحقها في فض هذه العلاقة التجارية المجحفة ولو استلزم الأمر دفع شروط جزائية مناسبة بالإضافة إلي دفع تكلفة الإنشاء بالكامل .

وأناشد في هذا الصدد السيد المهندس وزير الكهرباء أن يتح لهذه القضية أكبر اهتمام بما يتناسب وأهمية مشروعاتنا القومية في قطاع بالغ الحيوية والأهمية وهو قطاع الكهرباء .. وأؤكد في هذا الصدد أن الحلول المرحلية أو الجزئية لهذه القضية لن تزيد الطين إلا بللاً، وسوف تضاعف من سلبيات الوضع الحالي ، ولا مناص أمام متخذي القرار سوي نهو هذه التعاقدات الأشد جوراً وظلماً من عقد امتياز قناة السويس الذي منحه الخديوي سعيد للفرنسي ديليسبس عام 1854 م والذي كان يحوي ضمن بنوده ما ينص علي حق مصر في إلغاء امتياز القناة نظير قيامها بدفع تعويضات مالية مناسبة للشركة الأجنبية .

وإذا كنت قد تناولت من قبل خطورة هذه التعاقدات في 3 مقالات نشرت تباعاً بجريدة الأهرام العام الماضي بتاريخ 28 يناير، وتاريخ 24 مارس، وتاريخ 18 يونيو، فإنني أطالب اليوم بضرورة الإسراع بوضع خطة متكاملة لنهو هذه التعاقدات التي تلزم مصر بدفع أكثر من 4 مليار دولار أمريكي خلال مدة حق الانتفاع مقابل شراء 900 ميجا / وات كهرباء ناتج هذه المحطات سنوياً وهي كمية لاتتجاوز 0.04 من إنتاجنا القومي من الكهرباء سنوياً .

وليست المطالبة بنهوهذه التعاقدات من قبيل التعقيد أو التشدد أو التحريض علي نهو علاقات تجارية مع دولة صديقة أثق تماماً أنها ستحترم حرص مصر علي مصلحتها الاقتصادية وسوف تتقبل هذه الإجراءات بما لا يؤثر مطلقاً علي العلاقات السياسية القوية بين البلدين .. والدعوة هنا من قبيل الحرص الوطني الذي يبديه المتخصصون في هذا المجال نحو مشروعاتنا القومية .. هذا الحرص هو ما دفعني إلي الكتابة في هذه القضية التي تمس مستقبل التنمية في مصر والتي ينبغي ان تقوم علي إمكانياتنا وقدراتنا الذاتية بالدرجة الأولي .. فالمنطق والضمير يستدعيان أن يقوم المصريون أنفسهم بإنشاء مثل هذه المشروعات كما تم في جميع محطات الكهرباء والتي تنتج أكثر من 96% من استهلاك مصر سنوياً، وإلا كيف لهم أن يتطلعوا إلي المشاركة في إنشاء مشروعات الكهرباء في الدول العربية والإفريقية الشقيقة التي لم يكن لها أن تقبل بهذه الخبرات إلا ليقينها بما أثبتته هذه الخبرات من مشروعات قومية رائدة في مصر منذ اكثر من 5 عقود من الزمان ؟ .

إنني من هذا المنطلق أناشد الخبراء والمتخصصين في مجالات الكهرباء والطاقة والمال والاقتصاد والقانون والعلاقات التجارية الدولية بالتعاون جميعاً للقيام بدراسات متكاملة للخروج من مأزق هذه التعاقدات، وأناشد في هذا الصدد جمعيات المهندسين الكهربائيين والقانونيين والمحاسبين والإداريين وكل جهات الاختصاص أن تتولى القيام بتنظيم عدة ندوات ومؤتمرات لبحث الطرق القانونية والمالية والفنية لإنهاء هذه التعاقدات بالشكل الملائم .

ولدينا في مصر جهابذة وعلماء أجلاء في القانون والمحاسبة وشئون المال والصناعة ومشروعات الكهرباء ممن يمكن لهم أن يصولوا ويجولوا في نهو هذه التعاقدات بالاتفاق .. وما قضية طابا عن الأذهان ببعيدة، وسوف ينتهي الأمر إلي ما يحقق الخير لصالح مصر بإنهاء هذه العلاقة التجارية الغير سوية الذي لا تقبل به أي دولة تسعي إلي التنمية الحقيقية وتفعيل قدراتها الذاتية في ظل التنافس الاقتصادي الرهيب الذي يتسم به القرن الحادي والعشرين .

وأؤكد في النهاية علي أن الدعوة لنهو هذه التعاقدات بالتفاوض لايعني علي أية حال أننا ضد العلاقات التجارية العادلة والنزيهة التي تحترم وتراعي حقوق ومكاسب طرفي العلاقة سواء مع فرنسا أو غيرها من الدول الأجنبية، ولكننا ضد العلاقات التجارية الغير سوية والتي تكون وبالاً علي اقتصادنا وأمننا القومي ومشروعاتنا القومية وتئد فرص تنمية قدراتنا الذاتية وتخالف تشريعاتنا وقوانيننا وتسحق سنوات الخبرة المتراكمة التي اكتسبتها الكوادر المصرية في قطاع الكهرباء منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتي الآن .

نشرت بجريدة الأهرام بتاريخ 15/12/2002

 
 
 
 
           
  الرئيسية | مشروع التغير | مراحل المواجهة | مشروعات تنموية | قالوا عن حمزة | صوت وصورة | المجلس الوطني المصري | المكتب الهندسي