Tuesday, May 2, 2017 أخر تحديث:
   
 
اطبع أرسل لصديقي
استخدم هذا النموذج لارسال هذا المقال لصديقك
Friend Email
Enter your message
حجم الخط
2000 - يونية 2004 >
 
 
 
   
    شاركنا على تويتر  
 
 
 
 
  دعوة إلى مناظرة علمية لتحديد موقع المتحف المصرى الجديد


الدكتور ممدوح حمزة

المهندس الاستشاري

بعد عدة شهور من طرح المسابقة المعمارية لتصميم وإنشاء المتحف القومي المصري الجديد جاءت أسئلة المكاتب المعمارية الوطنية والعالمية المشاركة فى المسابقة مطالبة بتغيير الموقع الحالى للمتحف ومحذرة فى نفس الوقت من سلبيات البيئة المحيطة به، ولتؤكد بوضوح على عدالة وأهمية وعلمية القضية التى حاولت جاهداً الانتصار لها بمناصرة عشرات الخبرات الوطنية .. والقضية هى ذلك الخطأ الفادح المتمثل فى اختيار موقع المتحف الجديد على طريق مصر/الإسكندرية الصحراوي عند الكيلو 4.5 شمال هضبة الأهرام على غير دراسات علمية.

فى منطقة مليئة بالسلبيات وتهدد ذلك المشروع العظيم فى الحاضر والمستقبل وهو ما ظللت أحذر من خطورته لأكثر من 5 سنوات مطالباً بدراسات موضوعية وعلمية بما يليق ببيت الحضارة المصرية الخالدة  .

هذا الاختيار غير المدروس يتمثل في وجود الموقع فى منطقة ذات تجمعات سكنية واستعمالات أرضية متداخلة سيئة المظهر والمضمون ينتفى معها تماماً إظهار المشروع بما يتناسب مع ما يحتويه من كنوز وآثار ويقضي علي أي فرصة للتوسعات المستقبلية للمتحف، إضافة لما يتسم به هذا الموقع من تلوث سمعي وبصري يؤثر على الرؤية العامة للمتحف .. والموقع بشكل عام محاط بتجمعات كثبان رملية من الشمال والشمال الغربي علاوة على وقوعه بمنطقة غير مستوية أو متناسقة طبوغرافياً لانقسامها إلى ثلاث مناطق ذات تضاريس وميول حادة فى الارتفاع بمناسيب تبدأ من 5 أمتار إلى 40 متر ويتشكل من طبيعة جيولوجية غير مناسبة، وتعد مصدراً خصباً للأتربة والملوثات الهوائية مما يصعب معه تحقيق المتطلبات والمعدلات التخطيطية والبيئية الخاصة بالمتحف الجديد.

ووجود المتحف على طريق مصر / الإسكندرية الصحراوي والطريق الخلفي بين المنطقة السكنية ونادى الرماية يشكل صعوبة كبيرة فى تحقيق معدلات مداخل ومخارج آمنة للمتحف ويخلق منطقة ازدحام شديدة تمثل عنق زجاجة يتكرر معها مشكلات المتحف المصري الحالي بميدان التحرير مما قد يتسبب فى العديد من الحوادث نظراً للسرعات العالية على الطرق السريعة المحيطة بالمتحف ويؤدي ذلك إلي حجبه ويفقده الاتصال المباشر بالأهرامات الثلاثة وأبي الهول، كما أن صغر المساحة الممكن الاستفادة منها فى الموقع الحالى وما بها من عيوب جيولوجية وطبوغرافية سوف تقلص من حجم الأرض المستغلة وستفرض على مصمم المتحف النزوع إلى التوسع الرأسي وهو ما يتعارض تماماً مع الخصائص الرمزية والجمالية لهذا الصرح الحضاري الكبير.

وعلي أقل تقدير فإن متوسط عدد الزوار للمتحف في غير المواسم وأوقات الذروة لن يقل عن 3 مليون زائر سنوياً بما يعني دخول حوالي 200 سيارة في الساعة لموقع المتحف الذي لا تتوفر له أية محاور  تستوعب حركة ومناورة السيارات مما يخلق معه مشكلات مرورية مزمنة في المنطقة تقضي علي الوقت المخصص لزيارة المتحف وتحيل الزيارة ذاتها إلي رحلة شاقة وغير آمنة يسجن خلالها الزائر في سيارته ليستنشق عوادم طابور السيارات والذي لن يقل عن 2 كيلو متر سوف تؤدي إلي غلق المرور تماماً أمام الموقع وسوف تزيد الطين بلة وتساهم في زيادة التلوث البيئي الموجود أصلاً بالموقع .

ولتوفير عناصر النجاح لإنجاز هذا المشروع كان ينبغى أن تطرح قضية اختيار موقعه للمناقشات المستفيضة والدراسات الوافية التى يشارك فيها كل ذى خبرة واختصاص من الخبراء المصريين والأجانب إن لزم الأمر فى مجالات التخطيط والعمارة والآثار وهندسة المرور والجيولوجيا وجغرافية المدن وغيرها من التخصصات المتعلقة بإقامة هذا المشروع العملاق ليتسنى له تأدية دوره باقتدار، خاصة أن هذا المتحف يعد رابع بيت للحضارة فى العالم بعد أن بنيت متاحف الحضارة الأخرى فى الهند والصين والمكسيك ويختلف تماماً عن غيره من المتاحف النوعية الخاصة بالفنون والآثار والتى يوجد منها آلاف المتاحف فى العالم.

كان من المفترض أن يحدث ذلك ولكنه لم يحدث .. لأننا كعادتنا وعند الشروع فى إقامة مشروعاتنا القومية نهرول إلى الخارج لنحصل على المنح والقروض ليقوم من يقدمها بالعمل بدلاً منا، حيث تم اتباع هذا الأسلوب فى مشروع المتحف الجديد واستعانت وزارة الثقافة المصرية بإيطاليا التى اختارت بيت خبرة إيطالي لعمل دراسة جدوى لإقامة المتحف لم يكن لها أن تستغرق أكثر من عام واحد ولكنها استغرقت 4 سنوات بتكلفة بلغت 2 مليون دولار قدمتها إيطاليا كمعونة إنقاذ لبيت الخبرة الإيطالي للتغلب على ما كان يعانيه من مشكلات مالية آن ذاك وليس من أجل سواد عيون مصر، وبالاستفسار أفاد بيت الخبرة الإيطالي بأن دراسة الجدوى التى أجراها لم تشمل دراسات اختيار الموقع ولكنه تم تحديده قبل بدء دراسة الجدوى ذاتها، فى ذات الوقت الذي أفاد فيه وزير الثقافة المصري فى حديث له نشر بجريدة الأهرام في 13 أبريل الماضي بأنه لم يختر موقع الكيلو 4.5 شمال هضبة الأهرام.

هذا التداخل وعدم الوضوح فى مسئولية اختيار الموقع على غير دراسات علمية لا يستوى معه إقامة بيت الحضارة الفرعونية بالشكل الذى يحقق أهدافه ويلبى الآمال المعقودة عليه، والأجدر بالمسئولين القائمين عليه الإعلان عن الدراسات العلمية التى أجريت بشأن اختيار الموقع، وكذلك نشر الدراسات التى قامت بها الجهات الإيطالية على الملأ، وأن يتم وضع نسخ منها فى منابر الفكر والتنوير خاصة بمكتبة الإسكندرية وجمعية المهندسين المصرية تحقيقاً لمبدأ الشفافية، وحتى يتسنى فحص ومراجعة هذه الدراسات ومعرفة إيجابياتها وسلبياتها بما يحقق الآمال الإنسانية المرجوة من هذا المشروع العظيم، وليكون إنجازاً متكاملاً ونموذجياً يحقق أهدافه حاضراً ومستقبلاً ويكون رمزاً حضارياً يليق بمكانة مصر وحضارتها فى الألفية الجديدة.

والفرصة ما زالت قائمة لإجراء مزيد من الدراسات والمشاورات وخاصة الوطنية منها فيما يتعلق باختيار الموقع المناسب، وهو أمر لن يتعارض مع الإعلان عن المسابقة العالمية لتصميم المتحف، وسوف تحقق الدراسات المقترحة العديد من الإيجابيات وتضمن فى نفس الوقت تلافى المشكلات التى يمكن أن تظهر مستقبلياً فى المتحف الجديد، ولا غرابة فى ذلك فقد تم حذو نفس الإجراءات فى مشروع إحياء مكتبة الإسكندرية والتى استمرت بشأنها الدراسات والأبحاث الوطنية حتى بعد الإعلان عن فوز بعض الجهات بمسابقتها المعمارية.

وكنت قد تقدمت إلى وزارة الثقافة بتاريخ 21 نوفمبر 1998 وإلى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بتاريخ 29 نوفمبر1998  بدراسة علمية لموقع بديل لإقامة المتحف جنوبي هضبة الأهرام مع الاستعانة ببعض الخبراء المصريين فى مجالات التخطيط والعمارة وهندسة المرور والجيولوجيا وجغرافية المدن وتبين من نتائجها أن هناك بدائل أخرى أفضل بكثير من موقع الكيلو 4.5، ومن هذه البدائل أن يقام المتحف جنوبي هضبة الأهرام علي مسافة 2 كيلو متر تقريباً من مركز الهرم الأوسط  ليتصل اتصالاً مباشراً بالأهرامات الثلاثة وأبي الهول بعيداً عن الزحام والضوضاء والتلوث البيئي والبصري الذى يعيب تماماً موقع الكيلو 4.5 شمال الهضبة بطريق مصر / الإسكندرية الصحراوي، وبذلك يستطيع السائح التنقل ما بين المتحف والأهرامات وأبي الهول مترجلاً في جو من الإثارة التي تنقله إلي سحر وأسطورية حياة الفراعنة دون أن تعترضه طرق أو مباني مشوهة معمارياً تفتقد التناغم مع البانوراما التاريخية والرمزية للمتحف والأهرامات.

وبالإضافة لوجود الموقع البديل الذي قمنا بدراسته خارج كردون الهضبة المحظور البناء عليها فإن الموقع البديل يتميز بسهولة الوصول إليه وخلو مسطحاته تماماً من أى استعمالات أرضية أو ملوثات إنشائية ويتيح فى ذات الوقت مجال الرؤيا الشاملة ويضمن فرص الامتداد المستقبلي للمتحف ويجعله متسقاً فى وحده عضوية فريدة مع أبى الهول والأهرامات الثلاثة، فضلاً عن تناسب الخصائص الجغرافية والبيئية لإقامة المتحف بهذا الموقع البديل الذى يضمن تحقيق المتحف لوظائفه العضوية والرمزية ويضمن يسر ومرونة حركة المرور وانتقال السياح إليه بيسر وسهولة ويجعل من زيارة بانوراما الموقع (الأهرام – أبو الهول – المتحف) رحلة خالدة تجذب إليها ملايين السياح سنوياً.

إننى لا أدعو إلى أن يكون الموقع البديل الذى قمنا بدراسته هو الخيار الوحيد فى هذا الصدد بالرغم من كل الميزات والخصائص التى تتوفر به ويفتقر إليها موقع الكيلو 4.5 شمالي الهضبة، ولكنها مبادرة ودعوة أمينة لطرح موقع هذا المشروع القومي للمناقشة العامة المتخصصة كما هو متبع فى مثل هذه المشروعات فى أى دولة متحضرة تتم إقامة المشروعات الكبرى بها على النتاج النهائي للأبحاث والدراسات العلمية والمنهجية المتخصصة التى يشارك فيها الخبراء الوطنيون بالدرجة الأولى .. وهى دعوة من جديد لعدم الإصرار على موقع الكيلو 4.5 الملئ بالسلبيات والعيوب الفنية والذي لم تعلن أى جهة حتى الآن عن أسباب اختيارها له ولم تعلن عن عناصر تميزه الذى قام عليها هذا الاختيار، وهو ما ينبغى أن يدرس باستفاضة ومنهجية فى إطار من الشفافية والوضوح إن عملية اختيار الموقع تعد من أهم وأخطر المراحل التى يمر بها مثل هذا المشروع الكبير والذي تتحدد أهدافه ووظائفه فى الحاضر والمستقبل تبعاً لمعطيات وخصائص الموقع والذى ينبغى أن يكون أهم وأكثر المراحل العامة للمشروع دراسة وبحثاً حتى يمكن تلافى العديد من المشكلات التى يمكن أن تظهر خلال المراحل التالية كالتصميم والبناء والإدارة والتشغيل وتوفير عناصر الجذب للمتحف، وبالرغم من كل ذلك إلا أن اختيار الموقع لم يأخذ أى قدر من الدراسات والأبحاث حتى الآن خاصة من قبل المؤسسات والهيئات الوطنية، ولم يعرض للمناقشة العامة التى تشارك فيها الهيئات العلمية المتخصصة.

وإذا كنت أول من نادي بعيوب الموقع الحالي عند الكيلو 4.5  فإنني لست الصوت الوحيد الذى يدعو إلى التباحث القومي المتخصص بشأن هذه القضية .. فقد عارض عشرات الصحفيين والمفكرين أن تستأثر وزارة الثقافة لنفسها بهذا الأمر دون عرضه على جهات الاختصاص المهنية فى مصر أو دون إعلان أو نشر أى دراسات يستند إليها اختيار موقع الكيلو 4.5 دون غيره من المواقع البديلة والتى أجريت بشأنها دراسات منهجية ومعلنة.

دعوا جميعاً إلى تطبيق هذا المشروع بدءاً من مراحله الأولى وطرحه للمناقشة العامة المتخصصة وعدم الاستئثار بالرأي وإتاحته للجميع على غرار ما حدث فى مشروع مكتبة الإسكندرية والتى بادر الأساتذة الأجلاء الدكتور فتحى سرور والدكتور مفيد شهاب بطرحها للمناقشة العامة من قبل الخبراء والمتخصصين، فجاء المشروع نموذجياً كنتاج عمل وأبحاث وطنية خالصة أكسبته قيمة حضارية وجمالية شهد لها العالم أجمع.

ولم يقتصر الأمر على معارضة الصحفيين والمفكرين للاستئثار بالقرار فى قضية المتحف، فقد تشكل بشأنها رأى عام عكسته الصحف القومية والحزبية والمستقلة على حد سواء، حيث نشرت جريدة الأخبار عدة موضوعات عن المتحف أولها بتاريخ 29/2/2000 تدعو فيه للاستعانة بالخبرات المصرية فى إقامة هذا المشروع، كما نشرت جريدة الأهرام أكثر من 7 موضوعات عن المتحف الجديد أولها بتاريخ 17/2/2000 وآخرها بتاريخ 13/4/2002 حيث دعت إلى عدم الإصرار على موقع الكيلو 4.5 وعرض الأمر على خبرات وطنية متخصصة

وأثيرت القضية فى مجلس الشعب ودعى النائبان فتحى البرادعى وممدوح سعد خلال شهر مارس 2001 إلى احترام وجهات النظر الأخرى في هذه القضية وتوخى الحذر فى تنفيذ هذا المشروع دون عرضه التباحث القومى المتخصص فى إطار من الشفافية والوضوح.

إننى أؤكد من جديد على أن السعى المتواصل لتقديم بدائل لموقع المتحف مشفوعاً بالدعوة المتكررة إلى طرح هذه القضية للمناقشة المتخصصة لا يعنى الطعن فى وطنية الآخرين أو يعنى قصور خبراتهم، ولكنها سعى ينبع من إيماننا بقيمة حضارتنا العظيمة ومسئوليتنا المهنية والقومية تجاه تنفيذ مشروعاتها على أفضل ما يكون من خلال تمكين وتوسيع الرأي المتخصص الذى يقوم على احترام وتفعيل عقول وخبرات المصريين الذين هم أولى الناس بحماية وصون وخدمة وتطوير هذا الميراث الحضاري العظيم، ويشجعني ويشجع الكثيرين غيري للمشاركة بالرأي فى هذه القضية القومية ما يدعو إليه نظام المجتمع المدني من احترام للآراء المتخصصة فيما يعن من القضايا والمشروعات القومية والاستعانة بهذه الآراء والخبرات فى العديد من الخطط والسياسات التنموية التى تشهدها مصر هذه السنوات.

وانطلاقاً من هذا الشعور أنتهز الفرصة مجدداً وأدعو كل الهيئات العلمية المتخصصة وعلى رأسها جمعية المهندسين المصرية بتخصصاتها المعنية وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا لإجراء مناظرة علمية يدعى إليها كل ذى خبرة واختصاص مصرياً وعالمياً خاصة فى مجالات التخطيط والعمارة وجغرافية المدن وخبراء البيئة واختيار المواقع للإدلاء بدلوهم في هذا الأمر تحت المظلة المستقلة للتنوير والحرية العلمية والفكرية التى أشرقت بمكتبة الإسكندرية .. هذا المشروع القومي ينبغى أن يتوفر له من الدراسات والأبحاث ما يجنبه العثرات التى تبتلى بها مشروعاتنا القومية، وبما يهيئه ليكون خير بيت يليق بجلال الحضارة المصرية الخالدة وليكون خير ذاكرة تستوعب إرثها المجيد.

إن الاستئثار بالقرار والتشبث بالرأي فى اختيار موقع المتحف الجديد على غير دراسات علمية تشارك فيها جهات قومية وخبرات وطنية متخصصة يصنع علامات استفهام كبرى بحجم المتحف ذاته، ويهدد بوأد القيمة الحضارية المرجوة من هذا الصرح الكبير، ويطرح فى نفس الوقت العديد من الأسئلة الحائرة التى لا إجابة لها خاصة فيما يتعلق بعدم نشر الدراسات الإيطالية وعدم إعلان أسباب اختيار موقع الكيلو 4.5 .. ولنا العبرة فى السلبيات التى ابتليت بها بعض مشروعاتنا القومية بسبب العشوائية والتسرع والاستئثار بالقرار وعدم دراستها بعلمية ومنهجية، وكذلك بسبب تداخل الاختصاصات وتشعب المسئولية وعدم وضوحها فى أحيان كثيرة، وهو ما يستوجب التأكيد على خطورة خصائص موقع الكيلو 4.5 تخطيطياً ومرورياً وطبوغرافياً وجيولوجياً وبيئياً بما يشكل عناصر الفشل وعدم الوصول إلي الأهداف القومية المأمولة من إنشاء هذا المتحف.

نشرت بجريدة الأهرام بتاريخ 3/8/2002

 
 
 
 
           
  الرئيسية | مشروع التغير | مراحل المواجهة | مشروعات تنموية | قالوا عن حمزة | صوت وصورة | المجلس الوطني المصري | المكتب الهندسي