Thursday, September 20, 2018 أخر تحديث:
   
 
اطبع أرسل لصديقي
استخدم هذا النموذج لارسال هذا المقال لصديقك
Friend Email
Enter your message
حجم الخط
2000 - يونية 2004 > مقالات >
 
 
 
   
    شاركنا على تويتر  
 
 
 
 
  عوائد آثارنا بالخارج وحق الملكية الفكرية

عوائد آثارنا بالخارج وحق الملكية الفكرية

بقلم الدكتور:ممدوح حمزة

سنوات قليلة وتبدأ بعدها اتفاقية الجات والاتفاقيات المتممة لها فى التطبيق الفعلى بمشاركة 146 دولة حتى الآن ومنها مصر التى كانت أول دولة عربية توافق على المشاركة فى هذه الاتفاقية.. وإذا كانت العديد من الآراء قد حذرت من مخاطر الجات والاتفاقيات المتممة لها على اقتصاديات البلدان النامية فى مجالات حيوية مثل صناعة البرمجيات والكمبيوتر والدواء فإنه من المنطق وإزاء هذه التحديات أن نتخذ هذه البلدان من الإجراءات والتدابير الواعية ما يمكنها من الاستفادة من هذه الاتفاقيات وخاصة اتفاقية الملكية الفكرية “التربس” فى مجالات يمكن أن تحقق فيها ميزات تفصيلية وتنافسية تفتقر إليها أكبر دول العالم تقدماً وقوة.

ففى ظل التحديات المستقبلية التى أوجدتها الجات واخواتها ليس هناك مجال أمام مصر الا تفعيل بنودها وتوظيفها بشكل مناسب للاستفادة منها فى حماية ملكياتها الفكرية فى مجالات الفنون والفلكلور والتراث وخاصة الآثار التى هى جوهر القضية التى أعاود الكتابة فيها اليوم بعد طرحها فى مقالات سابقة نشرت بجريدة الأهرام بتاريخ 8 سبتمبر 2001 وجريدة الأخبار بتاريخ 22 يناير 2002 وأكدت فيها على حق مصر الأصيل فى الحصول على جزء من عوائد استغلال آثارنا بالخارج والتى تدر ملايين الدولارات سنوياً على متاحف ومعارض وشركات أجنبية قامت بالأصل على التربح من الاستغلال الاقتصادى لآثارنا التى نملكها ولكنها استقرت فى حوزة الدول الأجنبية بطرق غير مشروعة وهو ما فضحته الأبحاث التى صدرت مؤخراً عن دور نشر ومراكز أبحاث أوروبية وأمريكية.

لقد سارع العديد من دول العالم فى إطار الجولات التمهيدية للتربس باتخاذ التدابير والاجراءات اللازمة لحماية ملكياتها الفكرية التى تتعرض لعمليات القرصنة والاستغلال الاقتصادى وقدرت الشركات متعددة الجنسيات ثلث رأسمالها “بملكيات فكرية” وأعدت من القوانين والبنود التى تزمع عرضها على منظمة “الوايبو” المختصة باتفاقية “التربس” لاقرارها حتى تحمى هذه الثروات الفكرية من أوجه الاستغلال غير المرخص، وعلى نفس النهج سارت الدوائر القانونية بمدينة السينما فى هوليود وفى مراكز الأبحاث العلمية فى الجامعات الكبرى بالولايات المتحدة الأمريكية.

فماذا فعلنا للاستفادة من هذه الاتفاقية بما يحمى آثارنا من الاستغلال غير المرخص سواء بالعرض أو الطبع أو النسخ أو التقليد أو التصوير أو غير ذلك مما يدر الملايين على المتاحف والمعارض والشركات الأجنبية؟!

اننا لم نفعل شيئاً.. وحتى الآن لم نطالب بحقوقنا فى الاستغلال الاقتصادى لهذه الآثار ولم يناقش أى من مجلسى الشعب والشورى أية مشروعات أو مسودات قوانين فى هذا الصدد لإقرارها وعرضها على منظمة الوايبو المختصة باتفاقية الملكية الفكرية فى ذات الوقت الذى طالبت فيه بعثة المعهد الأوروبى للآثار البحرية التى تقوم بالبحث عن الآثار المصرية الغارقة بشواطئ الاسكندرية بمنع أصحاب مراكز الغطس بمصر من النزول إلى المواقع التى اكتشفتها البعثة، وطالبت بمقاضاتهم طبقاً لقوانين الملكية الفكرية وقوانين حقوق النشر لقيام أحدهم بنشر صور لآثارنا الغارقة التى اكتشفتها البعثة على شبكة الانترنت!!

ألم يكن من الأولى بنا ونحن أصحاب الحق الأصيل فى هذه الآثار أن نطالب بحقوقنا بمقتضى قوانين الملكية الفكرية وقوانين حقوق النشر التى تتذرع بها البعثة الأوربية؟

لقد أشرت بالتفصيل فى المقالات السابقة إلى العديد من أسماء الشركات والمتاحف التى تربح عشرات الملايين من الدولارات سنوياً من آثارنا بالخارج، وذكرت ان هذه الآثار هى الدجاجة التى تبيض ذهباً لهذه المتاحف والمعارض والشركات، والتى يصعب تماماً أن تتخلى عما تحوزه من آثار.. وليس أدل على ذلك من تأكيد مدير متحف “برلين” بأن إعادة رأس نفرتيتى لمصر يعنى إلغاء وجود المتحف.. وليس أدل على أهمية هذه الآثار من ضخامة المبالغ التى ترصدها شركات التأمين على الآثار الفرعوني فى المعارض الخارجية التى تجاوزت 100 مليون دولار على 44 قطعة أثرية لكليوباترا شاركت فى معرضها “من التاريخ إلى الأسطورة”  الذى يطوف بإيطاليا وانجلترا والولايات المتحدة وتنتهى آخر جولاته الشهر الحالى، وكذلك قيام هذه الشركات برصد حوالى 170 مليون دولار للقطع الذهبية الفرعونية المشاركة فى المعرض الدولى الذى تقيمه النمسا بمتحف تاريخ الفنون بمشاركة كل من مصر والنمسا وأمريكا وبعض الدول الأوروبية.

وإذا كان الكاتب الصحفـى الأستاذ صلاح منتصر قد ذكر من خلال عموده اليومى بجريدة الأهرام بتاريخ 14/2/2002 أن آثار مصر بالخارج لا تنطبق عليها شروط إتفاقية الملكية الفكرية حسب تصريح وزير الثقافة له بناء على القرارات التى اتخذتها منظمة اليونسكو من قبل ومنها قرارها بجعل سنة 1975 عام استقرار للآثار فى العالم ولا يحق لمصر المطالبة باسترداد آثارها التى سرقت قبل عام 1975.. فإن المنطق والقانون الدولى يؤكدان على أن حيازة الأثر بطريقة غير مشروعة لا تلغى ملكية مصر له وأن إثارة هذا الموضوع على هذا النحو تعتبر من قبيل الإهدار لثروات مصر وكنوزها التى أصبحت عصب اقتصاديات السياحة فى العديد من دول العالم التى تحوز هذه الآثار.. ولا أعتقد أن مصر قد طالبت من قبل بالمشاركة فى عوائد آثارها بالخارج حتى تقرر اليونسكو أحقيتها أو عدم أحقيتها فى المطالبة بهذه الحقوق؟!

إن إتفاقية الملكية الفكرية لم تتحدد فى شكلها النهائى بعد ولم يزل أمامها شرط كبير من الجولات والمفاوضات حتى يتم توقيع اتفاقيتها النهائية من جميع الدول، مما يعنى ان الفرصة لم تزل سانحة أمامنا لتقديم مشروعات قوانين تراعى حقوقنا فى عوائد الاستغلال الاقتصادى لأثارنا بالخارج.. وإذا كانت مصر قد نجحت فى استعادة بعض من آثارها المسروقة فإن قضية الحصول على عوائد استغلال آثارها بالخارج لن يكون بذات الصعوبة التى واجهتها لإستعادة هذه الآثار، لإن الاتفاقيات الدولية فى هذا الصدد والقانون الدولى الذى جاءت مناقشات “التربس” فى مواضع كثيرة شارحة لبنودة مؤيدة لمواده فى العديد من المجالات يؤكد حق مصر فى عوائد آثارها.

وليس أدل على ذلك من كسبنا للعديد من قضايا استرداد الآثار المصرية أمام المحاكم الأوربية والأمريكية استناداً إلى أحكام هذا القانون واستناداً إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالآثار التى وقعتها مصر مع العديد من البلدان.

لقد هبت اليونان تخاطب الشعوب الأوربية من خلال وسائل الإعلام والقنوات الدبلوماسية والسياسية ومن خلال المنظمات والجمعيات الأهلية المهتمة بشئون التراث لكى تعيد حكومات الدول الأوربية الآثار اليونانية إلى موطنها الأصلى.

وعلى نفس النهج سارت اثيوبيا وجاهدت بكل قوة لاستعادة مسلة شهيرة أقيمت ببلدة “اكسوم” شمال اثيوبيا منذ أكثر من 2500 سنة والتى حملها الاستعمار الإيطالى بعد جلائه ووضعتها حكومته أمام مقر الأمم المتحدة بروما والذى كان مقر قيادة افريقيا فى عهد موسيلينى.

لقد خاضت اثيوبيا مع ايطاليا العديد من المناقشات والاتفاقيات وآخرها الاتفاق الذى وقعته عام 1997 والذى وافقت ايطاليا بمقتضاه على إعادة المسلة ولم ينفذ بسبب تشدد مسئولى وزارة الثقافة الايطالية وتهديدهم بالاستقالة إن أعادت إيطاليا المسلة إلى موطنها الأصلى.. ولكن مع الحماس الشديد وإيمان الشعب الاثيوبى وحكومته بأحقيتهم فى استرداد آثارهم ذاع صيت المسلة فى جميع أنحاء العالم ونشطت الحملات المطالبة بعودتها إلى موطنها الأصلى، وتبنت العديد من وسائل الإعلام فى أوربا وأمريكا القضية وأفردت لها صحيفة “الهيرالد تربيون الدولية” مساحات لا بأس بها ونشرت عدة مقالات تشرح فيها حنين وتطلع الاثيوبيين إلى تراثهم السليب ورفضهم كل الإغراءات الضخمة التى عرضتها إيطاليا للتنازل عن المطالبة بعودة المسلة إلى اثيوبيا.

اننا لا ندعو للبكاء على الأطلال ولا ندعو إلى حصر جهودنا فى دائرة إعادة الآثار المسروقة.

اننا ندعو مكرراً إلى طرح بدائل أكثر مرونة وقابلية للتطبيق للاستفادة من آثارنا بالخارج، ولا بد من فتح حوارات متخصصة ومدروسة بالطرق الودية مع حكومات ومؤسسات الدول التى تحوز هذه الآثار ومن خلال مخاطبة المنظمات المتخصصة بهذه القضية كاليونسكو و”الوايبو”.

وقبل كل ذلك لا بد من التحرك على المستوى الداخلى لطرح القضية للمناقشة المختصة من خلال الندوات والمؤتمرات وعلى ضوء نتائجها يتم تشكيل لجان تضم خبراء فى الاقتصاد والقانون والدبلوماسية والعلاقات الدولية تقوم بالاتصال بالدول والجهات الحائزة لآثارنا، ولا مانع من الاستعانة بخبراء أجانب إن لزم الأمر.. ولا شك أن العديد من النتائج الايجابية سوف يتحقق ولن يضيع حق وراءه مطالب.

————————

نشرت بجريدة الأخبار بتاريخ 19/3/2002

 
 
 
 
           
  الرئيسية | مشروع التغير | مراحل المواجهة | مشروعات تنموية | قالوا عن حمزة | صوت وصورة | المجلس الوطني المصري | المكتب الهندسي