Thursday, September 20, 2018 أخر تحديث:
   
 
اطبع أرسل لصديقي
استخدم هذا النموذج لارسال هذا المقال لصديقك
Friend Email
Enter your message
حجم الخط
2000 - يونية 2004 > مقالات >
 
 
 
   
    شاركنا على تويتر  
 
 
 
 
  كارثة أمريكا‏:‏ وارهاب الداخل

كارثة أمريكا‏:‏ وارهاب الداخل

د.ممدوح حمزة – المهندس الاستشاري والاستاذ بجامعة قناة السويس

ما يدعو إلي التعجب ويثير الدهشة في الكارثة التي ألمت بالولايات المتحدة الأمريكية أنه ما إن وقعت أحداث الثلاثاء الدامي حتي تسابقت آلة الإعلام الغربية المسعورة تغذيها الصهيونية العالمية لإلصاق التهمة بالمسلمين والعرب وكأن هذه الاتهامات قد أعدت سلفا قبل أن تقع الكارثة ذاتها‏..‏ تسابقت وسائل الإعلام‏’‏ المسيسة‏’‏ وأجهزة الاستخبارات الموجهة لتؤكد علي أنه عمل إرهابي قادم من بلاد الشرق والإسلام وأصمت آذانها عن أي احتمال لضلوع جهات أخري داخلية أو خارجية في هذه الكارثة‏.‏

إن العديد من الوقائع والملابسات تستبعد أن تكون هذه الكارثة عمل انتحاري وترجح بأنها عمل منظم نفذته عناصر بارعة عبثت ببرامج تشغيل هذه الطائرات واستخدمت تكنولوجيا إلكترونية متقدمة للسيطرة علي الطائرة بعد وقت محدد من إقلاعها وتوجيهها نحو أهداف محددة أو قامت هذه العناصر ببرمجة وضبط مسار الطائرات مسبقا لتخترق هذه الأهداف وفي كلا الحالتين تم إبطال التشغيل اليدوي ففقد الطيارون السيطرة علي الطائرات فاضطرت السلطات الأمريكية حيال ذلك أن تصدر أوامرها بهبوط جميع الطائرات فورا في أقرب المطارات بعد أن اضطرت إلي تحاشي كارثة الطائرة الرابعة التي كانت متوجه إلي أهداف حيوية وأسقطتها‏(‏ عمدا‏)‏ فوق غابات بن سلفانيا وما يؤكد ذلك أنه قد تم إغلاق المجال الجوي الأمريكي ومنعت الرحلات الجوية وظلت الطائرات‏3‏ أيام في حظائرها ولم تستأنف حركة الطيران إلا بعد التأكد من سلامة برامج تشغيل هذه الطائرات وما يؤكد ذلك أيضا أن رئيس هيئة سلامة الطيران الأمريكية قد دعا في دراسته حول الكارثة إلي ضرورة وضع ضوابط وآليات لحماية برامج تشغيل الطائرات من التدخل الخارجي‏.‏

هذه العناصر المدربة التي أتيحت لها حرية الحركة لتقوم بتنفيذ مثل هذه العمليات الخارقة والفائقة الدقة لا يعقل إلا أن تكون من داخل أمريكا نفسها وعلي الأرجح من المليشيات العسكرية واليمين الأمريكي المتطرف الذي ينتشر في أكثر من‏38‏ ولاية أمريكية ويمتلك الأسلحة والتكنولوجيا والقدرات الملائمة لمثل هذه العمليات ويقوم بنشر مطبوعاته ونشراته وينشئ له مواقع صريحة علي شبكة الإنترنت ويمارس أنشطته وتدريباته وتحركاته اليومية بحرية تامة تحت سمع وبصر السلطات الفيدرالية‏.‏

هذه المليشيات تضم بين عناصرها بعض من متقاعدي المخابرات المركزية والعسكريين القدامي من التخصصات العسكرية المتقدمة وتضمم كذلك خبراء ومهندسي كمبيوتر وفنيين وأساتذة جامعة وتتخذ من العنف سبيلا لتغيير المجتمع الأمريكي ولها العديد من الحوادث والجرائم المعروفة ضد الشخصيات الهامة والمباني والرموز العامة والتي تتشابه في ملامحها مع مأساة الثلاثاء الحزين ويدعم ذلك أن هذه الجماعات قد طالبت من خلال بيانات وزعتها علي أعضائها بالانتقام لإعدام أحد زعمائها‏(‏ تيموثي ماكفاي‏27‏ سنة‏)‏ لإدانته بتفجير أحد المراكز الفيدرالية بأوكلاهوما عام‏1995.‏

ومثلما كان للمخابرات الأمريكية دورا بارزا في وجود بعض العناصر الإرهابية العالمية فقد كان لها نفس الدور في توحش واستفحال الجماعات الأمريكية المتطرفة بتجاهل خطورتها التي انتشرت كالسرطان في نسيج المجتمع الأمريكي منذ بداية الستينات وتهيأت لها كل ظروف وعوامل النمو بسبب طبيعة هذا المجتمع وبسبب الأنماط الثقافية والسياسية التي تسوده وبسبب المشكلات الاجتماعية والنفسية التي ظهرت بعد حرب فيتنام وبمراجعة النشاط الإجرامي لهذه الجماعات المتطرفة يتبين مدي خطورتها ويتبين شذوذ الجرم الذي ترتكبه ويتبين لا معقولية الطريقة التي تنفذ بها عملياتها التي تتشابه كثيرا مع كارثة الثلاثاء الدامي‏.‏

ففي عام‏1964‏ جرت أول محاولة لتفجير خزانات البترول بنيويورك قام بها الإرهابيان‏’‏ جوزيف ليوفيتير وجون ويزلي‏’‏ كما جرت محاولة أخري في عام‏1965‏ لتفجير بعض الرموز الحضارية ومنها تمثال الحرية وكانت هذه الحوادث انتقاما من التفرقة العنصرية البغيضة التي كانت تسود المجتمع الأمريكي آنذاك وبعد ذلك بقليل تم تفجير بعض ثكنات القوات الفيدرالية واستمرت هذه الأعمال الإرهابية في التصاعد ووقع بعض منها في مطار‏’‏ سانت لويس‏’‏ عام‏1966‏ وفي المكتبات العامة ودور الكتب عام‏1968‏ وبعض البنوك ومخازن الجيش في‏’‏ لوس أنجلوس‏’‏ ومحطات المياه والكباري ومحطات الأتوبيس وبالقرب من مقر الرئاسة الأمريكية في نفس العام حيث استهدفت هذه الجرائم الرموز والمنشآت الوطنية بالدرجة الأولي وبلغ عددها أكثر من‏435‏ عملية منذ عام‏1964‏ وحتي نهاية الألفية الثانية وكان من الطبيعي أن تتطور هذه العمليات وتتبلور لتصبح أكثر اعتمادا علي التكنولوجيا الحديثة في القرن الحادي والعشرين‏.‏

إن المنطق يستبعد قيام الجماعات الإرهابية التقليدية بمثل هذه العمليات الخارقة ويستبعد قبول فكرة العمل الانتحاري كما أن المعطيات والمعلومات المتاحة عن جماعات اليمين المتطرف وعن كارثة الثلاثاء تركز الضوء علي نقاط التماس بين فكر وجرائم هذه الجماعات من ناحية وبين ما حدث في صبيحة الثلاثاء الدامي من ناحية أخري وتؤكد أن هذه الجماعات اليمينية المتطرفة ضالعة بشكل أو بآخر في تنفيذ هذه العملية التي أعد لها وتم التدريب علي تنفيذها من خلال مجموعات منسقة ومنظمة تحركت بحرية تامة وتعاونت معها عناصر عديدة في المطارات الأمريكية وأبراج المراقبة وورش صيانة الطائرات وأماكن تزويدها بالوقود وفي مكاتب شركات الطيران ذاتها وهو ما لا يمكن أن يتاح لعناصر الإرهاب التقليدية علي الإطلاق‏.‏

إن التعتيم الإعلامي المفروض علي الكارثة يزيد الشكوك في مسئولية الداخل الأمريكي وجماعات الضغط والنفوذ ويزيد الشكوك أكثر في هذه الجماعات اليمينية المتطرفة التي يتجاوز عددها‏100‏ جماعة تدعو لمثل هذه الجرائم وتعتقد بتفوق الجنس الأبيض وتنادي بمحاربة السيطرة اليهودية علي أمريكا وتناهض القبضة الفيدرالية منذ منتصف الستينات عندما تكونت مليشيا‏’‏ ماينيون مين‏’‏ ونشطت مع غيرها في أعقاب حرب فيتنام وقامت بجرائم إرهابية ضد الأشخاص والأماكن العامة والمباني الفيدرالية‏.‏

وقد تأسست بعد ذلك العديد من الخلايا الإرهابية والمليشيات المسلحة التي تشيعت تقريبا لنفس هذه الأفكار وأشهرها جماعات‏’‏ الفوضويين‏’‏ وجماعات‏’‏ النظام‏’‏ وجماعة‏’‏ الداوديين‏’‏ وميشليا متيشجان‏’‏ وجماعة‏’‏ كوكلوكس كان‏’..‏ وغيرها العشرات والعشرات من الجماعات والميليشيات المسلحة التي تنتشر في ولايات ومدن شيكاغو وتكساس ولوس أنجلوس ونيويورك وعشرات المدن الأخري و يبلغ عدد أفرادها المسلحون أكثر من‏3.5‏ مليون أمريكي ويبلغ عدد الذين يعتقدون بمبادئها أكثر من‏15‏ مليون أمريكي بينهم الأطباء والأساتذة الجامعيون والعسكريون أمثال‏(‏ مارك كوينا رجل المخابرات السابق‏)‏ ومنهم الشباب والنساء ورجال الدين أمثال الأب‏’‏ نورمان أوليسون‏’‏ ومنهم العاطلون والمراهقون وقدامي المحاربين‏.‏

والمتأمل لكارثة‏11‏ سبتمبر يتبين أنها تتوافق مع المنطلق النفسي والعقائدي الذي تمت به العديد من العمليات الإرهابية التي نفذها المتطرفون الأمريكان‏..‏ فإذا كانت هذه الكارثة قد وقعت في‏11‏ سبتمبر‏2001‏ فإنها تجيء في ذكري إعدام الأمريكي‏’‏ تيموثي ماكفاي‏’‏ قائد جماعة‏’‏ ميليشيات ميتشجان‏’‏ الذي أعدم بحقنة سامة في‏11‏ يونيو الماضي كأول إعدام فيدرالي منذ أكثر من‏38‏ عام لاتهامه بتفجير المبني الفيدرالي في أوكلاهوما في‏19‏ أبريل‏1995‏ والذي راح ضحيته‏168‏ قتيل وأكثر من‏600‏ من الجرحي والمعاقين‏.‏

ذلك أن أتباع‏’‏ ماكفاي‏’‏ البالغ عددهم أكثر من‏20‏ ألف متطرف قد أعلنوا صراحة عن عزمهم علي الانتقام لرجلهم كما أن‏(‏ ماكفاي‏)‏ نفسه بطل حرب الخليج والحائز علي الميدالية البرونزية من الجيش الأمريكي قد فجر مبني أوكلاهوما في ذكري هجوم الشرطة والجيش الفيدرالي علي جماعة الداوديين في‏19‏ أبريل عام‏1993‏ وقال أنه ينتقم بذلك من قيام السلطات الفيدرالية بقتل نحو‏80‏ رجلا و‏19‏ طفلا من هذه الجماعة في‏’‏ واكو‏’‏ بولاية تكساس الأمريكية والعجيب أن الشرطة قد تعرضت لمكفاي بسبب السرعة الجنونية وهو في طريقة لتنفيذ جريمته وكان يحمل مسدسا ولكنها تركته ليقوم بعد ذلك بتفجير المبني الفيدرالي‏.‏

كما أكد‏’‏ جان فرنسوا دجوزان‏’‏ خبير الإرهاب الدولي بمؤسسة الأبحاث الاستراتيجية بباريس أن هناك احتمالات قوية لضلوع اليمين الأمريكي المتطرف في هذه الكارثة كما نفي البروفسير‏’‏ روبير إستيو‏’‏ بجامعة بروكسل الحرة أن تكون هذه الكارثة حوادث إرهابية تقليدية وقال إن ذلك عمل عسكري حقيقي منظم وتوجيه الاتهام إلي العرب دون دليل قاطع أو مقنع يخرج عن جادة الصواب كما دعا‏’‏ تانجي ديويلد‏’‏ مدير‏’‏ مركز الأزمات والصراعات‏’‏ بجامعة بروكسل إلي التزام الحذر والحيطة قبل الاندفاع في رد فعل غير محسوب في ظل عدم الجزم بوجود أدلة قوية علي مرتكبي الحادث‏.‏ وهناك العديد والعديد من العقلاء في أوربا وأمريكا ممن أكدوا علي ضرورة توخي الحذر في توجيه الاتهامات نحو جماعات بعينها وشددوا علي أن تتوصل الولايات المتحدة والمجتمع العالمي إلي الجناة الحقيقيين وأن يتم محاسبتهم في إطار الشرعية والقانون‏.‏

وأخيرا فإن طرح بعض الرؤي حول ضرورة توسيع دائرة البحث والتحري في كارثة أمريكا لا يعني دفاعنا عن عناصر أو جماعات إرهابية أضرت بمصالحنا ومقدراتنا وأعملت معاولها في المجتمع المصري قبل أن ينصب أذاها علي غيرنا من دول العالم التي ساهمت في استفحال هذه العاصر والجماعات الإرهابية ولكن هذه الرؤي التي نطرحها ويشاركنا فيها الكثيرون تخشي من تسييس الكارثة واستغلالها لتحقيق مكاسب استراتيجية ودولية موضوعة سلفا وفي سبيل تحقيق هذه المكاسب يوظف الحدث لتستعدي الحضارات والشعوب علي بعضها البعض ويقتل الأبرياء والأطفال في حروب المصالح والإرهاب بحجة محاربة أسماء أسطورية صنعتها أمريكا‏.‏

نشرت بصحيفة الأهرام ص 10 بتاريخ 29/9/2001

 
 
 
 
           
  الرئيسية | مشروع التغير | مراحل المواجهة | مشروعات تنموية | قالوا عن حمزة | صوت وصورة | المجلس الوطني المصري | المكتب الهندسي