Thursday, September 20, 2018 أخر تحديث:
   
 
اطبع أرسل لصديقي
استخدم هذا النموذج لارسال هذا المقال لصديقك
Friend Email
Enter your message
حجم الخط
مقالات >
 
 
 
   
    شاركنا على تويتر  
 
 
 
 
  القدرة الذاتية والتنمية البشرية

القدرة الذاتية والتنمية البشرية

الدكتور ممدوح حمزة

المهندس الاستشاري

منذ سنوات والحديث عن التنمية والتقدم في مصر لا يكاد ينقطع في الصحافة والإعلام والوزارات والمجالس النيابية والأحزاب وقد عقد منذ عدة أيام وتحديداً يوم الاثنين الموافق 7 أبريل الجاري مؤتمراً موسعا عن التنمية البشرية في مصر كما صدر منذ عدة أيام التقرير القومي عن التنمية البشرية خلال العام الماضي ..ولكن وبالرغم من تواصل الحديث عن هذه القضية الهامة وبالرغم من اتخاذ العديد من الإجراءات والتدابير لم نصبح حتى الآن دولة متقدمة اقتصاديا وتكنولوجيا، ولم نستطع الحفاظ علي ما حققناه من إنجازات في عقود سابقة في العديد من المجالات بالرغم من بدأنا لمسيرة التنمية والتقدم قبل العديد من الدول التي حققت معدلات تنموية تقدمية لا بأس بها كالهند وسنغافورة وكوريا الجنوبية

فهذا التدني الذي حدث قي معدلات التقدم، وهذا التراجع في قدراتنا الذاتية مرتبط بسوء فهمنا لقضية التنمية والتقدم..فالتنمية بمفهومها الصحيح هي التي تؤدي إلي التقدم المنشود في المجالات التي ننميها، وهو أمر ينبغي أن نفرق بينه وبين أسلوب محمد علي في تحقيق التنمية باستيرادها من الخارج كصندوق مغلق والذي كان له عذره في ذلك الوقت، أما نحن فلا عذر لدينا في أن يستمر هذا الأسلوب متبعاً لأكثر من 200سنة منذ إنشاء القناطر الخيرية في بداية القرن التاسع عشر وحتي إنشاء دار الأوبرا ومركز المؤتمرات وشبكة مترو الأنفاق ومستشفي القصر العيني الجديد في القرن العشرين .

فاعتمادنا علي الخبرات الأجنبية في إقامة مشروعاتنا القومية وامتلاكنا أو استعمالنا لما أنجزته الثورة التكنولوجية الحديثة من أجهزة كهربائية وسيارات فارهة وأجهزة إلكترونية وأقمار صناعية وخطوط مترو وأجهزة التليفون المحمول وغيره من منجزات العصر بدون خروج غطاء مماثل من بلدنا لا يعني أننا أمة متقدمة، بل يعني أننا أمة مستهلكة لمنجزات الآخرين، ويعني أننا أمة تعيش علي قشور الحضارة وتعجز عن تحقيق التنمية التي تضعها في مصاف الدول المتقدمة، فالتنمية المستوردة لا تؤدي إلي التقدم المنشود الذي يؤدي في النهاية إلي التنمية المستدامة في بعض المجالات الحيوية التي ترتبط بظروفنا المحلية ولنا فيها تفوق نوعي وميزات نسبية .

ويجب ألا يفهم بالخطأ أنني أروج لفكرة ” من الإبرة إلي الصاروخ ” بل يجب أن نركز جهود التنمية الذاتية في البداية علي أهم المجالات التي نتميز فيها ونمتلك فيها استعدادت تنموية ..فاليابان تفوقت في الصناعات الإلكترونية، والهند تفوقت في صناعة برامج الكمبيوتر واشتهرت أمريكا بتفوقها النوعي في صناعة السلاح والصناعات الثقيلة، وتفوقت ألمانيا في صناعة السيارات، وتميزت سويسرا في الصناعات الدقيقة، وتميزت إنجلترا بعلوم وتطبيقات الإدارة والخدمات، وتحققت لفرنسا شهرتها في مجال الطاقة النووية .

إن الانطلاق نحو الريادة والتقدم في مصر تتحقق أولي خطواته بالتشبث بقدر من الشجاعة في مواجهة إخفاقاتنا التي تدق ناقوس الخطر بصدد ما آل إليه وضعنا الريادي والتقدمي مقارنة بالآخرين خاصة في المنطقة العربية والشرق الأوسط .. فنحن نزعم بأن لدينا صناعة ونطالب بتصديرها في ذات الوقت الذي نستورد فيه خطوط إنتاجها وقطع غيارها وخبرائها من الخارج ويقتصر دورنا فقط علي التشغيل! فهل التشغيل يعني صناعة؟!.. وهل تشغيل منظومة زراعية أجنبية مستوردة في أغلبها يعني أننا دولة متقدمة زراعياً ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!..وهل يعني تشغيل الكمبيوتر بطرق وبرامج مستوردة بالكامل أننا لدينا تكنولوجيا معلومات ؟! .

فالتنمية التي ننشدها هي أن تكون المنظومة الصناعية والزراعية والخدمية التي نستند إليها في إحداث تقدم في مصر بعض أجزائها الرئيسية ذاتية التصميم والتصنيع والتنفيذ والتشغيل تعتمد علي خطوط إنتاج وقطع غيار صممت وأنتجت وتم تشغيلها بقدرات مصرية، ولن يتحقق ذلك إلا بتفعيل دور العقل وتمكينه من القيام بتوليد المعرفة والخبرة وقيادة منظومة العمل مع التركيز علي المجالات التي نمتلك فيها ميزات نوعية في بعض المجالات الحيوية المحددة كالطاقة والفضاء والإلكترونيات والهندسة الوراثية والصناعات الغذائية والزراعة الحديثة وصناعات الغزل والنسيج والأسمدة .

إن هذه السطور بقدر ما تحمله من حقائق قد تبدو مؤلمة ليست جلداً للذات وليست مدعاة للتشاؤم ولكنها دعوة صادقة لمواجهة واقعنا التقدمي بصدق وشجاعة والتخلي عن ترديد الشعارات الزائفة التي أضرت بالقدرة الذاتية للمجتمع المصري التي تراجعت في الداخل والخارج وهو ما أعطي الفرصة للكفاءات الأجنبية والعربية لتحتل مكانتنا الريادية في المنطقة وتغزو سوق العمل المصري في العديد من المواقع الفنية والإدارية .

يحدث هذا التراجع بينما نمتلك العديد من مقومات النجاح ووسائل تحقيق التقدم والتنمية المستدامة.. فنحن مجتمع غني بموارده وخبراته وخيراته ولدينا أكثر الأنظمة والحكومات استقراراً في المنطقة منذ عام 1805.. ولدينا الموارد البشرية والكفاءات والخبرات المطلوبة لإحداث التنمية ولدينا معظم مقومات تحقيقها.. لدينا نهر النيل يجري في أرض خصبة بالخير والنماء لمئات الكيلومترات..لدينا ما يزيد عن 7 مليون فدان من أجود الأراضي الزراعية في العالم .

لدينا قناة السويس أهم شريان ملاحي في العالم،ولدينا بحيرة ناصر أكبر بحيرة صناعية في العالم، ولدينا العديد من البحيرات الغنية بالموارد الطبيعية، ولدينا ما يزيد عن ألفي كيلو متر من الشواطئ الجميلة الممتدة على البحرين الأبيض والأحمر في بانوراما سياحية رائعة ولدينا ثلث آثار العالم ..لدينا ثروات ضخمة من الغاز الطبيعي والبترول والمعادن القابعة في صحاري وشواطئ مصر.. لدينا طقس جميل ومناخ هادئ لا تهدده العواصف ولا الزلازل أو البراكين ..لدينا الموقع الاستراتيجي وعبقرية المكان، لدينا موارد بشرية هائلة قوامها 68مليون مواطن ننادي صباح مساء بتأهيلها وتنميتها.

لدينا كل هذه المقومات للنجاح ولكننا نعاني من قصور في تفهم أولويات العمل، ونعاني من قصور في توظيف مواردنا البشرية الضخمة التي تحتاج إلي وضع خطة قومية أو برنامج يقوم آلياً بحصر وانتقاء الكفاءات وإعطائها المسئولية ومحاسبتها علي النتائج .. فالاهتمام ببناء الإنسان المصري وتشجيعه علي أخذ زمام المبادرة والتحلي بالشجاعة والمثابرة هو جوهر التنمية البشرية وهو ما ينبغي أن يكون قاعدة الانطلاق نحو تحقيق التقدم المأمول الذي تنجزه الذات المصرية المصقولة بالمهارات والقدرات الغير تقليدية اللازمة لظروف العصر الذي نعيشه .

إن مصر علي أبواب تطبيق اتفاقية التجارة الحرة (الجات) والتي سوف تجعل من أسواقنا مرتعاً خصباً للمنتجات الأجنبية وخاصة الأجهزة الكهربائية والسيارات والصناعات الإلكترونية والأنشطة الخدمية والاستشارية، وهي مجالات لا يتمتع معظمها بحقوق الحماية التي اشترطتها مصر للانضمام للاتفاقية، بما يؤكد من جديد علي خطورة الوضع التنموي في مصر وخطورة التحديات الاقتصادية المستقبلية والراهنة التي هي في النهاية محصلة نجاح أو رسوب المؤشرات التي أشرنا إليها من قبل .

ولا مفر من التركيز علي بعض مجالات تفوقنا النوعي وتمصيرها واستغلال ادني فرص توليد التكنولوجيا الذاتية فيها ثم إحلالها في قطاعات الصناعة والزراعة بما يحقق في النهاية خلق منظومات ابتكار وعمل وتكنولوجيا مصرية ذاتية بنسبة كبيرة منها تكون قاعدة صلبة لانطلاق التقدم من ناحية، ولتكون فرس الرهان المصري في سباق الجات من ناحية أخري .

تلك رسالة نوجهها مخلصين إلي المعنيين بشئون التقدم في مصر من وزارات وأحزاب ومؤسسات رسمية وأهلية عاقدين عليها الآمال والطموحات العظيمة التي تعبر بنا واقعنا المرير الذي افتقدنا معه الريادة في العديد من المجالات التي كنا فيها أساطين نعلم الجيران والأصدقاء فنونها وحرفتها ولا مناص عن الالتحام بالواقع ودراسته ملياً بكل أبعاده لأن الواقع الاقتصادي قوته أو ضعفه هو محصلة نهائية لكل المعطيات والمجالات التي أشرنا إليها.. فهل يعي هؤلاء هذه الأهداف وهذه الطموحات التي تجيش بها صدور الملايين من المصريين الآملين في غد أفضل لهم ولأولادهم وللأجيال القادمة؟.

نشرت بجريدة الأهرام بتاريخ 21/4/2003

 
 
 
 
           
  الرئيسية | مشروع التغير | مراحل المواجهة | مشروعات تنموية | قالوا عن حمزة | صوت وصورة | المجلس الوطني المصري | المكتب الهندسي